مقالات

مناظر جدتي “مضاوي”

بقلم د.منى بنت علي الحمود

كان لجدتي نظارة جميلة بإطار بني اللون يشبه لون عينيها، وكانت هذه النظارة تصنف ضمن أدوات “الكشخة”.. فمن هذا الذي كان يرتدي نظارات في ذلك الوقت ؟! ..إلا أن يكون مثقفا أوطبيبا أو”خواجة”؛ فالنظارات في تلك الأيام كانت تعد أيقونة العلوم والثقافة، بغض النظر عن وجودها من عدمه،مع كل هذه الأبهة كانت جدتي “مضاوي” وأقرانها يسمونها “مرايات”أو”مناظر”!!. فهل كانت جدتي تقصد فعلا أنها تعكس حقيقة الأشياء؟! ..أم تقصد أن الأشياء بالخارج حقيقة ولاينقصنا لرؤيتها على حقيقتها سوى هذه الأداة (النظارات)حقيقة توقفت مليا عند هذه التسمية،وهل كانت جدتي “مضاوي” تعني ما تقوله حقا ؟!.
قد يبدو الواقع مختلفا عما نراه!!؛ فالموجود قد لا يكون موجودا فعلا، وقد يأتي غير الموجود ليحل محله ويأخذ دوره في الوجود !!، هذا الكلام ليس من باب الهراء،أوالتشدق البغيض بالكلمات؛ فقد أشغل هذا الموضوع الكثير من الفلاسفة حقا، وقد تعاطوه بجدية واضحة منهم،وكان السؤال الكبير الذي ينطلقون منه:ما طبيعة المعرفة التي تصلنا من الوجود من حولنا ؟. بل هل هذا الوجود حقيقي أم أنه قد يكون نموذجا في داخلنا وانعكاسات لما في أذهاننا عنه فقط ؟!؛ فالمثالية والتي تميل إلى اللاهوتية قليلا من خلال تناغم أفكارها مع اليهودية والمسيحية.. ترى أن ما يصلنا مما حولنا هو غير حقيقي فما نراه أو نشمه أونشعر به أو نتذوقه في الوجود من حولنا إنما هو ترديد أو صدى لبعض الأفكار الذهنية عنه وليس هو حقيقة بذاته؛فلا وجود إلا لما ندركه في أذهاننا بمعنى أن ما لا ندركه فلا وجود له، وقد حملت هذه الفكرة الفيلسوف “أفلاطون” الذي يعد الأب الروحي للمثالية إلى نظريته المعروفة عن عالم المثل أو النماذج الثابتة والمطلقة والتي تدرك بالعقل والتأمل فحسب، وهذا معناه أنه سواء ارتدينا نظارة جدتي “مضاوي” أو خالتي “حصة” فالواقع والحقيقة مرتبطة بذواتنا العارفة لهذا الواقع أوالحقيقة لا غير،وهنا يأتي سؤال ليطرح نفسه على طاولة تفكيرنا:ماذا لو اتيحت لنا الفرصة لنتبادل أعيننا ؟،والتي أتت كلمات الأسطورة الأمير ال مكتوم مشرعة لذلك في أبياته “ليت العذول يكف عذل فيك، ويأخذ عيوني لجل منها يشوفك”!!. مؤكدا مع الفلسفات التي اتفقت على ثبات الواقع مهما اختلفت أداة رؤيته وإدراكه ومن يراه، وإذا كان الأمر كذلك ماذا لو أستعرت عيني شخص ما؛ حتى أرى نفسي داخلها، فهل أنا سأرى نفسي كما يراني أوالعكس هل هو سيرى نفسه بعيني كما أراه ؟!؛ فإن جاز ذلك فلجدتي “مضاوي” لو استعارت مناظر أحدى صديقاتها من باب الكشخة أن ترى واقعها كما يرونه تماما، وهذا ما يجعل ذلك السؤال لايزال يشغلني هل كانت جدتي “مضاوي” ترى من “مناظرها” هذا الانعكاس لذاتها في الوجود؟!، أم أنها تؤمن بحقيقية الوجود من حولها كما هو!!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى