مقالات

أمهات وآباء بعد الموت

بقلم – محمد البكر:

أعلم جيداً بأن كلمة ” الموت ” وهي الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها ، هي كلمة مزعجة ومؤلمة . فالموت يعني فراق للأبد ، وما أقساه من فراق . يقال تعددت الأسباب والموت واحد . لكن ومع التسليم بقضاء الله وقدره ، فإن هناك من يدفع نفسه نحو الموت دون أن يشعر بذلك . فالموت قدر وهذا صحيح ، لكن بعضه اختيار . فإذا كان الانتحار جريمةً عقابها عند رب العالمين ، فهناك جرائم يرتكبها بعض الشباب بحق أنفسهم من خلال قيادة مركباتهم خارج إطار النظام وتعليمات المرور وقواعد القيادة والسلامة . ولعل أهم تلك الجرائم المرورية ، القيادة بتهور وبسرعة قد تصل لضعف السرعة المصرح بها ، أو التفحيط وقطع الإشارات أو الإهمال والاستهتار بحياته وحياة الآخرين باستعماله الهاتف أو غيره .

هناك مقطع مصور يظهر فيه شاب مستهتر يفتخر بأن مبالغ المخالفات المرصودة عليه قد وصلت لعشرات الآلاف . وغيره يعتقدون بأن نظام ساهر، وأن حرص رجال المرور على تطبيق القانون ليل نهار ، هدفه جمع الغرامات ، متجاهلين الهدف الحقيقي وهو الحفاظ على سلامتهم وسلامة غيرهم من الحوادث المميتة .

كتبت منذ فترة طويلة ، بأن مرحلة التثقيف قد انتهت دون نتائج ملحوظة . فمن يقطع إشارة المرور ليس بحاجة لمن يثقفه ، بل بحاجة لمن يردعه ويخلص المجتمع من أمراضه النفسية . ومن يضاعف سرعة مركبته بشكل مخيف ويربك الناس ويعرض حياتهم للخطر ، هو إنسان يرتكب جريمة لا مخالفة مرورية .

هناك قصص كثيرة ومحزنة ومؤلمة لآباء وأمهات فقدوا أبنائهم جراء الحوادث المرورية ، منهم من لم يستطع تجاوز تلك المآسي طيلة حياته . ففراق الأب لأبنه أو الأم لابنها هو غاية الألم ومنتهى الحزن . وأني على يقين بأن الشاب لو كان يقدّر ما سيتركه رحيله على أبويه وأقاربه وأحبابه من دمار نفسي واجتماعي لهم ، لربما فكًر ألف مرة قبل تهوره واستهتاره .

من بين عشرات القصص التي حدثت ، كانت لأحد الآباء الذي أعرفه عن قرب ، وكان شعلة نشاط ودائم الابتسامة وحاضر النكتة . هذا الرجل أنتهت حياته تقريباً بعد وفاة أبنه أثر حادث مروري مروع رغم مرور أكثر من عشرين سنة على ذلك الحادث . ناهيك عن عشرات القصص لأمهات وزوجات وأطفال ، إنهارت حياتهم وتحولت إلى جحيم بعد نعيم .

الشاب المتهور لايدرك حجم المعاناة التي سيسببها لأهله بعد مماته  ، ولم يكن يفكر في ذلك قبل تهوره . لكن بإمكان الجهات المعنية ، توظيف مثل هذه القصص الحزينة للتأثير على الشباب في المدارس والمسلسلات التلفزيونية . ولعل في تلك القصص ، ما يخيف الشاب المتهور مما سيتركه رحيله جراء استهتاره من ألم وحزن وتدمير لحياة والديه وزوجته وأطفاله وأحبابه . ولكم تحياتي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى