الرئيسية / مقالات / عندليب القرآن الكريم الشيخ الدكتور إبراهيم الدوسري وكتابُهُ : “إبرازُ المعاني بالأداءِ القُرآني” (1-3)

عندليب القرآن الكريم الشيخ الدكتور إبراهيم الدوسري وكتابُهُ : “إبرازُ المعاني بالأداءِ القُرآني” (1-3)

 


بقلم : عبداللطيف الجوهري
أكرمني الله بالإقامة بجوار مسجده في حيِّ العزيزية بمدينة الرياض في بلاد نجد واليمامة ، وشرفت بإمامته والاستماع لتلاوته ودروسه وخطبه في هذا الجوار الكريم لبضع سنوات خلت ، ولم يَزلْ صدى صوته وتلاوته شدوًا هاديًا في مسمعي ، وكأني به في أدائه وتلاوته قد أذاب رحيق جميع الأصوات العذبة بجميع طرائق الأداء القرآني في نفح تلاوته وعذوبة صوته وتأثير أدائه وتمثيله لمعاني الذكر الحكيم والقرآن الكريم ، كما اتسمت خطابته ومواعظه أيام الجُمَع وغيرها بالإيجاز والتركيز في الموضوع وإبراز الأفكار المحورية والفرعية ، مشفوعةً بالأدلة والشواهد من القرآن والسُّنة وفقه السلف الصالح وبديع الاسشهاد بالشعر والتّثَبَّت من صحيح الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية ؛ وذلك لتحقيق غاية الخُطبة والتأثير في المتلقي وحُسن توعيته وتوجيهه لصحيح الدين والسُّنَّة الشريفةوحدائق تراثنا المضيئ الوضيئ.
ولمْ يتحقق لشيخنا ذلك من فراغ ، وإنما بعلمٍ شرعي وفقهٍ واسعٍ ودرسٍ عميقٍ للقرآن وعلومه من تفسير وتجويد وعلم بالقراءات وصور التلاوة وغاياتها ، ولم أزلْ أبحث وأتقصى آثار عالمنا الجليل الدكتور إبراهيم بن سعيدالدوسري وأتفحص بعض نَتاجه ووجدتني في بحره المحيط أهيم منتشيًا بطيِّب ثماره وبديع أفكاره في مجالات علوم القرىن تفسيرًا وتجويدًا وأداءًا وخدمة الإسلام ودعوته ، واستوقفني من آثاره ومؤلفاته كتابه القيم : ” إبراز المعاني بالأداء القرآني ” الذي فسّرَ لي ولقرائه السِّرَّ الكامن وراء مافتح الله به على شيخنا من توفيقٍ وإبداعٍ في أدائه وتلاوته وبما مَنَّ الله به عليه من عذوبة صوت وإبهار بالأداء القدير والتأثير الكبير .
نعم ، لقد وجدت فيما ذهب إليه شيخنا الإمام في كتابه “إبراز المعاني بالأداء القرآني ” تفسيرًا بليغًا وترجمةً واضحةً جليةً لمدرسته في التلاوة والإبداع فيها ، فكانت تطبيقًا عمليًا لماتضمنه كتابه ” إبراز المعاني بالأداء القرآني” وكأني بلسان حاله ينطق بقول الشاعر عزيز أباظه : ” عملٌ من روائع الدهر جئناه بعلمٍ ولم نجئه ارتجالا ” .

 


وفي أهمية الموضوع يقول شيخنا المؤلف : ” يكتسب هذا الموضوع أهميته من حيثُ ارتباطه الوثيق بالقرآن الكريم وتناوله جانبًا مهمًا وحيويًّا في تلاوة القرآن الكريم : إذْ يُعنى بمرتبة الإحسان في أدائه الجامعة بين المهارة في أداء الحروف والغوص في معانيها بلطُفٍ وشفافيةٍ تُشعر السامع بالمعنى وتَخْلَص إلى شغاف قلبه بأنوار الهداية ” ( إبراز المعاني بالأداء القرآني ص6 – دار الحضارة للنشر والتوزيع بالرياض – الطبعة الأولى 1428هـ – 2007 م) .
ولقد لفتني وأثار إعجابي كَمُّ المراجع والمصادر التي رجع إليها شيخنا الباحث المؤلف عددًا ومضمونا ، والتي بلغت الثلاثة عشر ومائة (113) ، وقد تنوعت المصادر والمراجع التي استعان بها مؤلفنا الباحث ؛ لمعاجة مادة بحثه ودراسته فيما يخدم صميم الموضوع في علوم القرآن والتجويد وعلم القراءات ، وفيما استحدثه المؤلف من جِدِّة التناول في معالجة مادة الدراسة في مجال علوم الأصوات والاتصال والعلوم النفسية والدراسات اللغوية الجديدة .
لاجرمَ أن يحظى البحث بتلكم العناية وذيَّاك التدقيق مع تنوع أساليب التناول والمعالجة ؛ لمِا لِموضوع البحث من جلال المحتوى وسموِّ الغاية واتساع مجالات الإفادة من أبوابه وفصوله ، يقول شيخنا الباحث في بيان سبب اختياره لموضوع البحث والجديد فيه : ” … ولمْ أظفرْ بدراسة مُستقلة تُوَّفِي هذا الموضوع حقَّه من أهم أبعاده ، فلعل هذا البحث يَفي بالغرض المقصود ، معاذَ الله أن أَدّعِي لنفسي أنني سأقول في هذا الموضوع شيئًا لم أُسبقْ إليه ، فإن علماء القرآن قاموا بجهود عظيمة ، ولمْ يَدَعُوا لِمَنْ بعدهم إلا التقريب والترتيب ، وسيستجلي هذا البحث – بعون الله وتوفيقه- ماطُوِيَ من الآفاق الأدائية للقرآن الكريم بعرض جديد ، وفي خطوات متئدة ، وعلى أساس مكين في ضوء ماأنتجه أسلافنا الأخيار دون استطراد فيما انتهى إليه الباحثون تجافيًاعن التكرار قدر الإمكان ” ( السابق ص 10 ،11) .
وكم يفرح المؤمنون بتَوَفُّرِ النابهين من أبناء أمة التوحيد للقيام على خدمة دعوة الإسلام ورسالته وكتابه المعجز والذكر الحكيم آخر وحي الله – عز وجل – وأشرفه إلى البشرية جمعاء وهو القرآن الكريم وسُنَّة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وهَدْيُه الشريف،ويضطلع أولئكم النفر وتلكم الكوكبة بتلكم المهمة الشريفة في حفظ القرآن الكريم وخدمة علومه الشريفة وفيهم وبهم يتحقق قول المولى – عزَّ وجل- ” وماكان المؤمنون لِيَنفِروا كافة ، فلولا َنَفَرَ مِن كُلِّ فِرقةٍ منهم طائفةٌ ؛ لِيَتفَقُّهوا في الدين وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يَحذرون ” ( 122 – التوبة) ، وقوله تعالى : ” إنا نحنُ نزلنا الذِّكْر وإنا له لحَافظون ” (9- الِحجْر )، ولا أرى شيخنا وعالمنا الشيخ الدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري إلا واحدًا من أولئك النفر الذين أعز الله بهم دينه وأذاع به كتابه الكريم وأشرف وحيه وخاتم كتبه المنزلة، ألا وهو القرآن الكريم الذي تخصص في علومه وأبدع في تلاوته وعلم قراءاته جامعًا في دَرْسِه وقيامه على كتاب الله تعالى بين الرواية والدراية والنقل والعقل ، حتى بلغ مرتبة الأستاذية في كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود وأستاذ كرسي الملك عبدالله بن عبدالعزيز للقرآن وعلومه .
وقد تلقى شيخنا الأستاذ الباحث الدكتور إبراهيم بن سعيدالدوسري تعليمه في مراحله المختلفة في مدارس التعليم العام بالمملكة العربية السعودية حتى تعليمه الجامعي حيث درس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وحصل منها على درجاته العلمية ، فنال درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه على النحو التالي : – البكالوريوس في 27- 08 -1406 بتقدير عام جيد جدًا . -2- درجة الماجستيرفي 10- 03- 1411هـ بتقدير ممتاز وموضوعها : ” الإمام المتولّي وجهوده في علم القراءات” ، -3- درجة الدكتوراه في 29-10- 1414 هـ بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وموضوعها : ” تحقيق المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر ” ( انظر سيرته الذاتية على شبكة المعلومات الدولية ) .
وقد اعترف شيخنا الدكتور إبراهيم بن سعيدالدوسري بفضل أساتذته وشيوخه عليه وسطَّر ذلك في سيرته الذاتية بأحرفٍ تُكتب بمداد الذهب تقديرًا وعرفانً الشيوخه من أهل العلم والفضل وصفوة من علماء القرآن وعلومه،وأخذ القراءات من أهل الرواية والدراية وأعلامها في الجامعة وخارجها ويأتي في صدارتهم العلامة المعمر الشيخ أحمد بن عبدالعزيز الزيات (من مواليد القاهرة عام1325هـ الموافق 1907م وكانت وفاته 16-08-1424هـ) الذي يصفه شيخنا المؤلف بأنه :” رأس في القراءات ، غاية في النُّبل ، تشرَّفتُ بالتلقي عنه رواية حفص من طريق الشاطبية والطَّيبة ، خَتمةٌ كاملة” وأيضًا الشيخ أحمد بن أحمد بن مصطفى أبو الحسن (1341هـ -21-02-1429هـ) والذي يصفه بالشيخ الحافظ الحُجَّة…حافظٌ ضابطٌ للقراءت الأربعةَ عشرة … وهو أكثر مَنْ لازمته من شيوخي ” ويصف هذين الشيخين في رسالة خاصة لنا بأنهما ” … هما اللذان صنعاني من لاشيئ ”
كما كان في صدارة شيوخه وأساتذته الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العقيل الذي يصفه شيخنا المؤلف ب ” العلامة الفقيه القاضي الحنبلي المعمر (1335هـ – 08-10-1432هـ) تلقيت عليه الفقه والأصول والفرائض ، ولازمته منذ عام 1405هـ وحضرت مجالسه ودروسه العلمية إلى أن تُوفِّي رحمه الله في الرياض 1432هـ ” ، وصولًا إلى فضيلة الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة التلاوة ومشاهير القراء وإمام المسجد النبوي الشريف ، كما فصَّل في ذلك في كتابة سيرته الذاتية على موقع شيكة المعلومات العالمية .
ولشيخنا المؤلف آ ثار علميه ومؤلفات كثيرة فضلًا عن كتابه الذي نحن بصدده ” إبراز المعاني في الأداء القرآني ” كما له دوره البارز في التحكيم في مسابقات القرآن الكريم على مستوى العالم ، فضلًا عن تسجيله الكامل للقرآن الكريم ضمن أفضل التسجيلات المعتمدةِ جَودَتُها والمذاعة في إذاعات القرآن الكريم في أقطار إسلامية كثيرة في العالم ، وجاء نشاطه الدعوي وعطاؤه العلمي على عدد من المحاور منها ، نشاطه العلمي والبحثي مؤلفًا ومحاضرًا وباحثًا ومشرفًا ومناقشًا على أطروحات الباحثين في الدراسات العليا، ونشاطه في حقل التأليف في حقل الدراسات القرآنية والقرآءت بحثًا وتحقيقًا وتأليفًا ، ونشاطٌ مباركٌ في حقل الدعوة الإسلامية والإشراف على مسابقات القرآن الكريم العالمية ، فضلًا عن تآليفه لعدد من مقرارت التلاوة والتجويد لعدد من صفوف الدراسة في التعليم العام ومدارس تحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية ( انظر المصدر السابق ) .
ويأتي كتاب شيخنا الباحث ” إبراز المعاني بالأداء القرآني ” في صدارة مؤلفاته البواهر ودُرره الزَّواهر ، وقد أنجز الشيخ خطة بحثه في : مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة في تسع وخمسين ومائة صفحة من الحجم المتوسط صادرًا عن دار الحضارة للنشر والتوزيع في الرياض بالمملكة العربية السعودية بغلافٍ فاخرٍ بالألوان وتصميمٍ بديعٍ بعرض عناصر من بديع الفن الإسلامي ، ونمضي مع أُستاذنا المؤلف في سباحة شيِّقة في بحر أفكار كتابه وأنواره،ننهل من معينه العذب،ونتتلمذ عليه ننشد العلم من علمائه الأجلاء من أهل القرآن الكريم ” ممن بنطبق عليهم قوله –صلى الله عليه وسلم-: “خيركم مَنْ تعلَّمَ القرآن وعلمَّه”( “صحيح البخاري ” مرويَّا عن سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه ) (. يتبع)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*