الرئيسية / الباحث / فيلسوف الدعوة الإسلامية .. الشيخ الدكتور محمد سيد المُسَيَّر

فيلسوف الدعوة الإسلامية .. الشيخ الدكتور محمد سيد المُسَيَّر

عبد اللطيف الجوهري

بقلم : عبداللطيف الجوهري

الدعوة إلى الله ورسالاته وتوحيده وشرف طاعته وعبوديته ومحبته هي رسالة الأنبياء ورُسُلِ الله الكرام ؛ لإصلاح البشر وإخراجهم – بإذن الله تعالى – من ظُلمات الجهالة وعبادة الشيطان والأوثان والطغيان وجَورالحكام إلى عدل الإسلام ونُور الإيمان و عبادة الله الواحد الديان ، قال تعالى :” الذين يُبَلِّغُونَ رسالات الله ويخشونه ولايَخْشَونَ أحدًا إلا الله ، وكفى بالله حسيبا ” (الأحزاب- 39) .

وعلى دَرب رُسل الله الكرام وأنبيائه يسيرالدُّعاة الصالحون المصلحون من العلماء العاملين أولياء الله الصالحين ، حتى تبوأ بعضهم قيادة الجيوش وفتح الثغور مثل العالم الفقيه أسد بن الفرات فاتح جزيرة صقلية ، وقاد بعضهم دفة السلطان واتخاذ القرار سياسيًا وحربيًا في مواجهة الغزاة والمحتلين الصليبيين والتتار كسلطان العلماء العز بن عبدالسلام ، وتتابعت مواكب من العلماء المجاهدين العاملين بدءًا من أعلام الصحابة والتابعين ، والتابعين لهم بإحسان حتى يومنا هذا ، وكان لمؤسسات التعليم الديني دور كبير ؛ لاضطلاعها بإعداد طلبة العلم وتخريج العلماء الهادِين المهديين الصالحين المصلحين مِمَّن حافظوا على رسالة الإسلام لغةً وعقيدةً وشريعةً وأخلاقا ، كالجامع الأزهر في مصر وجامع الزيتونة في تونس وجامع القرويين في فاس والجامع الأموي في دمشق وحواضر العلم في البصرة والكوفة وبغداد واليمن وفارس (قبل الصفويين) ، وندوة العلماء دار العلوم في الهند وحواضر بلاد ماوراء النهر في سمرقند وطشقند وبخارى وفرغانة قبل احتلال الروس القياصرة ومن بعدهم البلاشفة وغيرها من مؤسسات العلم في الأندلس والبلقان وجزر البحر الأبيض ،

ويلزم الدُّعاةَ إلى الله تعالى ؛ليُبَلِّغوا دعوته ورسالاته  العلمُ والحكمة ُ وما ينبغي أن يتصف به الأنبياء ؛ ليَضطلعوا بمسؤلياتهم ، من صدق وأمانة وفطانة وتبليغ ؛ ولذا يتصدر المشهد الدعوي مَنْ أُوتُوا تلك الصفات من العلماء العاملين الصالحين المصلحين ؛ ولذا يصنع الله تلكم الصفوة من الدُّعاة إلى الله والتابعين بإحسان  على عينه ،يجدد الله بهم دينه وشريعته ، وفي الهَدْي النَّبوي الشريف : ” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّد لها دينها ” ( حديث صحيح رواه أبو داود في مسنده عن أبي هريرة) ،  واللهُ ناصر دعوته ورسله ورسالاته : ” إنا لنَنَصُر رسلَنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ” ( غافر – 51) .

وقد تَصدَّرَ الجامعُ الأزهر عَبْر التاريخ برسالة الإسلام تعليمًا وتشريعًا وإعدادًا للعلماء والخطباء والدعاة إلى الله على بصيرة ، واضطلع علماؤه بأدوار قيادية في المراحل العصيبة التي مرَّت بها الأمة وقلبُها النابضُ في مصرحينما تعرضت للاحتلال الأجنبي ، وكانوا في صَدارة المقاومين للغُزاة والطُّغاة والمفسدين في الأرض ؛ ولذا لمْ يكن أمير الشعراء أحمد شوقي مُبالغًا حين أثنى على الجامع الأزهر وعلمائه حين قال في قصيدته الرائية : قُمْ في فم الدُّنيا وحيِّ الأزْهَرا – وانْثُر على سمع الزمان الجوهرا .

واجعلْ مكان الدُّر  إن فصَلَّته – في مدحه  ، خرَز السماء النيِّرا .

واذكرهُ بعد المسجدين مُعظمًا – لمساجد الله الثلاثة  مُكْبرا0

واخشع مليًا واقضِ حقَّ أئمةٍ  – طلعوا به زهرًا وماجوا أبحرا .

كانوا أجلَّ من الملوك جلالةً – وأعزَّ سُلطانًا وأفخمَ مظهرا .

زمن المخاوف كان فيه جنابُهم – حَرمُ الأمان وكان ظلهم الذّرا.

من كل بحر في الشريعة زاخرٌ –  ويُريكه الخُلقُ العظيمُ غضنفرا.

ولقد تنافست بيوت المؤمنين الصالحين  في تعليم أبنائها في الجامع الأزهر ومن تلك البيوت العامرة بيت فضيلة الشيخ الدكتور سيد أحمد المُسيَّر أستاذ التفسير والحديث في الجامع الأزهر (1907م –    1395هـ  ،1975م) الذي أُثرِ عنه قوله – كما حكى ابنه شيخنا الداعية الدكتور محمد سيد أحمد المسير (1948 – 2008م)  –  : ” لو كان لي من الأبناء عشرة ماعلمتهم إلا في صحن الأزهر القديم ، وكان يُردد كثيرًا قوله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ” وكان – رحمه الله تعالى –  يتلوها (هكذا) وقال – أي مُفتخرًا- إنني من المسلمين ، ودعاؤه الضارع إنما هو دعاء عباد الرحمن : ” ربنا هبْ لنا من أزواجنا وذريَّاتنا قُرَّة أَعْيُنٍ ، واجعلنا للمتقين إماما ” (الفرقان 74)  (انظر كتابنا ” للحق والنهضة والجمال – في الأدب والتربية والثقافة ط2 مكتبة وهبة القاهرة 2000م ص 63) (1)

الدكتور محمد سيد المسير
د. المسير

لقد كان المولود المبارك في بيت الشيخ الأزهري الدكتور سيدأحمد المسير – والذي سمَّاهُ محمدًا – هَدِيَّةَ الله له ولدعوة الإسلام ورسالة التوحيد الخالص  ، وكان مولده تصديقًا لرؤية صالحة رأتها والدته الصالحة (1911 – 2001م)، ” وكانت قد رأت في منامها أنها قد أُعطيتْ دواة (مِحْبرَة) ولوحًا وقِيلَ لها : أقرئيه القرآن ، ووهبه أبواه للأزهر  وللعلم والدعوة  “(2)  (انظر” الدكتور محمد سيد أحمد المسير – ذُرية بعضها من بعض ” بقلم :أبو الحسن الجمال ، مقال منشور بمجلة ” الأزهر”  ذو الحجة 1438هـ – سبتمبر2017م ص2426) وكانت أمه حافظة لكتاب الله وقد نشأت في بيت علم ودين ، وقامت على تربية وليدها المبارك على مائدة القرآن فحفظ القرآن الكريم في سنٍّ مُبكرة ، وواصل تعليمه في معاهد الأزهر وجامعته ، وقد أثبت نُبوغا في مراحل تعليمه المتتابعة ، فحصل على المركز الأول على مستوى القُطْرِ المصري في الشهادة الإعدادية عام (1964م) كما حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية عام (1969م) وكان ضمن أوائلها على مستوى الجمهورية ، وتخرج في كلية أصول الدين في قسم العقيدة والفلسفة الإسلامية ( 1393ه- 1973م) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى ، وواصل الدرس في التخصص العالي حتى حصل على الدكتوراه في العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان عام (1987م) عمل بعدها بالتدريس في كلية أصول الدين  ثم رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك عبدالعزيز في المدينة النبوية في المدة (1983- 1987م) عاد بعدها أستاذًا للعقيدة بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر في المدةمن (1987 -1993م) ثم ابتعث أستاذًا للعقيدة والأديان في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى في المدة من (1993- 1998م) عاد بعدها ليواصل رسالته أستاذًا للعقيدة بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف إلى أن توفاه الله واختاره إلى جواره ( أول نوفمبر 2008م) ( انظر المصدر السابق  ص 2426 ،2431) .

إن عطاء شيخنا الداعية المبارك الدكتورمحمد سيدأحمد المسير في حقل الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن بالتربية الإيمانية ونشر العلم والتأليف في مختلف فروع العلم ومجالاته ونُصرة الحق وفعل الخيرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتوظيف وسائل الإعلام الحديثة : ماهو إلا ثمرة التربية الصالحة والتعليم الديني المثمر والإخلاص لله في القول والعمل والسر والعلانية ، وقد جعل الله له قَبولا عند طلابه وعند الناس ، ففتح الله به القلوب والعقول فأثمرت دعوته وبُلِّغت رسالته إلى مختلف بقاع الأرض وكان صوتًا للحق ومثالا للعلماء العاملين الصالحين المصلحين ، وصدق قول الله تعالى : ” ولْتَكُنْ منكم أُمة يدعُون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكر  أولئك هم المفلحون ” ( آل عمران – 104  ) .

وكل مجال من تلكم المجالات التي نَشَطَ من خلالها ؛ لِيبلِّغَ رسالة ربه وهَدْي نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم كان كافيًا لتميِّزه ورسوخ قدمه كعالم وداعية غَيور على الحق وشريعة ربه ، يدعو إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وكم تأثر جيلنا والأجيال اللاحقة به منذُ تفتحت أعيننا وآذننا على صحوة الأمة وعودتها إلى منابع الدين الصافية عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا مع خوض الحرب العاشر من رمضان 1393ه السادس من أكتوبر1973م ، وفي أعقابها أواخر السبعينيات الميلادية كان صوت عالمنا الداعية الشيخ محمد المسير ينساب من الإذاعة لاسيما إذاعة القرآن نديًا فياضًا بالهداية والتنوير ، ينفذ إلى القلوب ، ويستقبله الوجدان دون استئذان ،

وكان الرجل ضمن كوكبة من العلماء الدُّعاة الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ( معاوية رضي الله عنه يقول  :  سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” لايزال من أمتي أمةٌ قائمة بأمر الله ، لايضرُّهم مَنْ خذلهم ولا مَن خالفهم ، حتى يأتيَهم أمر الله وهم على ذلك ” . وليس كلُّ عالمٍ يصلح داعيًا ، وكم من عالمٍ يضطلع برسالة التعليم ويحمل أرفع الدرجات وهو ليس من العلماء العاملين ” … كمثل الحمار يحمل أسفارا ..” ( الجمعة – 5 )  ، وكم من عابد صالح في نفسه ولايضطلع برسالة الإصلاح والدعوة متحملا في سبيلها وافر المشاقّ كم هو نهج الأنبياء والرسل وأصحاب الرسالات ، وإلى هذا المعنى نبَّه شيخ الإسلام شيخ الجامع الأزهر الأسبق العلامة الشيخ الخضر حسين ، حين قال في مقاله بمجلة ( الأزهر-1349هـ) : ” ولا يستحق لقبُ عالمٍ أو مُصلح ذلك الذي يدعوالناس إلى العمل الصالح ويقبض يده عنه ، أو ينهاهم عن العمل السيئ ولا يصرفُ عنه وجهه ، فمن أدب العلماء أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب  مايُؤاخذ  به ، وعمل مايُحمد عليه ، كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات مايُنفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلِّين ، فإن ذلك أدلُّ على إخلاصهم وأدعى إلى توقيرهم وقَبول نصائحهم ” (3).

وعلى نهج العلماء الدُّعاة الإعلام ووفق رؤيتهم في رسالة الدعاة الإصلاحية كان اتجاه شيخنا الدكتور محمد سيد أحمد المسير ، وكانت رؤيته وطريقته  ، يقول – رحمه الله – في هذا الشأن : ” هُنَاكَ تصور شائع يحسب أن كل أئمة المساجد دُعاة ، ونحنُ نرفض هذا التصور ؛ لأن أئمة المساجد – في الأصل – مُوظفون ؛ لرعاية المساجد والإعلان بالصلاة وإمامة المسلمين في الأوقات الخمسة ، وهذه مَهمة يُكتفى فيها – لدى كثير من الدول الإسلامية – بقدر ضئيل من الثقافة الإسلامية ، أشبه بمحو الأمة الدينية ، وكثير من هؤلاء إذا اعتلى المنبر ؛ لخطبة الجمعة يكون قد نسخها من بعض الكتب ، وقد لايُحسن قراءتها ، وتتحول خطبة الجمعة إلى حصة قراءة فاشلة ، وماهؤلاء بالدعاة ، ولابهؤلاء تنهض الدعوة ” ( انظر كاتب المقال في كتابه ” للحق والنهضة والجمال – في الأدب والتربية والثقافة ط2 ص  50 – 51 القاهرة 2000م” ) (4) .

ويُواصل داعيتنا المبارك حديثه عن صفات الداعية الحقيقي إلى الله فيقول : ” إنّ الداعية رجلٌ يحمل مؤهلات نظرية ومكتسبة ، لديه مواهب فكرية ،وله بصيرة الحكيم  وفِراسة المؤمن ، ويعيش قضايا أمته ، وفكر عصره وقد يكون هؤلاء الدعاة أئمة في المساجد،أو أساتذة في جامعات أو مسؤولين في الإعلام المسموع أو المرئي أو أطباء في مستشفى  ، أو مهندسين

أو مهندسين في مصنع أو سفراء لبلادهم في دول العالم، ولا تنسَ أن الذين نشروا الإسلام في أقصى بلاد الدنيا كانوا تُجارًا يعيشون بأخلاق الإسلام ” (السابق ص51) (5) .

لقد تخرج شيخنا الدكتور محمد المسير في قسم العقيدة والفلسفة وكان له باعُه في الدراسات العليا في درس التيارات الفكرية والمذهبية ومقارنة الأديان ، إلا أن النزعة الإصلاحية لديه ، فضلًا عن تعليمه الأزهري وحفظه للقرآن الكريم ،قد مكنَّته من الاضطلاع بمهمة الداعية المُصلح المفتي المحاور والمجادل بالتي هي أحسن خصوم العقيدة أو الفكرة الإسلامية ، يُواجههم ثابت الجنان رابط الجاش قوي المنطق والحجة في كل مجال أدلى بدلوه فيه كاتبًا ومحاورًا وخطيبًا ومعلمًا مُحاضرًا وأستاذًا ، وليس من شك أن دراسته في قسم العقيدة والفلسفة وتخصصه العالي في مجال مقارنة الأديان والتيارات الفكرية قد أفادته كثيرا في مجال الدعوة والإصلاح ومواجهة هجمات الفكر المادي بمذاهبه المختلفة يمينيةً أو يساريةً أو أمميةً تابعة للمنظمة الدولية وأطروحاتها في مجالي المرأة والطفل والمثلية الجنسية وغيرها من القضايا المُثارة والمخالفة للإسلام عقيدةً وشريعةً ، وحَظيتْ الأسرة باعتبارها الَّلبنة الأولى باهتمامه مؤلفًا ومتحدثا وكاتبًا وخطيبًا ، وله في هذا كتابه : ” أخلاق الأسرة المسلمة “وردَّ على الدكتور مصطفى محمود في موضوع الشفاعة بكتابه ” الشفاعة في الإسلام ”  .

المسير في أحدى الندوات
د. المسير في احدى الندوات

وقدتنوَّعتْ تصانيفه ومؤلفاتُه في مجالات العقائد والسيرة ومقارنة الأديان ، وقد كانت لنا قرءاة في عدد منها نشرتُ موضوعاتها أواخر تسعينيات القرن الميلادي الماضي وضمَّها كتابُنا ” للحق والنهضة والجمال – في الادب والتربية والثقافة ” في باب مستقل بعنوان ”  في العقيدة والتيارات الفكرية المعادية ” عرضت فيها لعدد من مؤلفاته ومقالاته المنشورة بقراءة تحليلية وسياحة فكرية ،

ولقد تنوعت وتعددت مؤلفاته وأبحاثه وتجاوزت الأربعين فضلًا عن مئات المقالات وعشرات المقابلات المسموعة والمتلفزة ، وقيامه على تحقيق عدد من مؤلفات والده الشيخ الدكتور سيد أحمد المسير منها : 1- السُّنة مع القرآن .     2- السُّنة المطهرة    3-إلزام القرآن للماديين والملِّيين    4- دراسات قرآنية .

ومن أبرز مؤلفات شيخنا الدكتور محمد المسير– رحمه الله –  في مجال العقيدة :   – 1- في نور العقيدة    -2-   أدب الحديث مع الله  -3- علم التوحيد (للشهادة الإعدادية الأزهرية ) .

   وفي مجال الفلسفة : -1- الرُّوح في دراسات المتكلمين والفلاسفة  -2- المجتمع المثالي في الفكر وموقف الإسلام منه  ، وفي مجال مقارنة الأديان : -1- المدخل لدراسة الأديان   -2- أصول النصرانية في الميزان  -3- أوروبا والنصرانية  -4- المسيح ورسالته في القرآن ، وفي مجال الفِرَق : 1- قضية التكفير في الفكر الإسلامي  -2-الحوار بين الجماعات الإسلامية  -3- مقدمة في دراسة الفِرَق الإسلامية  ، وله في مجال السيرة النبوية : -1- الرسول في رمضان   -2- الرسول حول الكعبة -3- الرسول والوحي -4- الرسول وقضايا المجتمع  -5- الرسول والموافقات . وفي مجال الفقه و الشريعة والقانون : – 1- محاورة تطبيق الشريعة  – 2-  نحو دستور إسلامي -3- أخلاق  الأسرة المسلمة ( المصدر السابق ص62 -63) .

لقد كان رحيل الشيخ الدكتور محمد المسير في الأول من نوفمبر2008م خسارةً كبرى للدعوة الإسلامية ، ومصابًا جللًا ؛ لأن مصاب الأمة في علمائها بعامة وعلماء العقيدة والشريعة وأصول الدين بخاصة مُصاب جلل ، يستوحش منه الصالحون والغيورون ، ويستحضرون معه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ الله لايقيض العلم انتزاعًا ، ينتزعه من العباد ، ولكن القبضَ بقبضِ العلماء ، حتى إذا لم يُيق عالمًا ،اتخذ الناس رءوسًا جُهّالا ، فَسُئلوا فأفتَوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ” (رواه البخاري ) وقد قدّرَ الله لقاءه في مدينة الرياض في إحدى ندوات المهرجان السنوي للتراث والثقافة ( الجنادرية 2008م )في قاعة الملك فيصل للمؤتمرات،وكان ضمن المدعويين والضيوف المشاركين في الفعاليات المصاحبة للمهرجان، وكان اللقاء حارًا وودودًا ، ولم أكن أعرف أنه اللقاء الأخير ، حيث انتقل إلى الجوار الكريم بعده بعدة أشهر ،وقد تلقيت خبر رحيله من إذاعة القرآن الكريم السعودية فيما كنت أتابع بعض برامجها خلال إقامتي في الرياض .

وقد أسعدني القدر بلقائه وتناول الإفطار الرمضاني على مائدته العامرة غير مّرَّة في مكة المكرمة ، وكان لقاء الأشباح بعدلقاء الأرواح في رمضان 1417هـ حيث كنت أودي العُمرة ، وعرَّفني عليه الأخ الإعلامي الشيخ عماد المهدي ، وحضر على المائد عدد من المعتمرين القادمين من مصر منهم الأخ الأديب والإعلامي المثقف الأستاذ تهامي منتصر ، الذي كان ينقل البث حيًّا من الحرم المكي لوسائل الإعلام المصرية ، وخلال إقامتي في مكة للعمرة رأيت شيخنا يقود عربة والدته ؛ ليطوفَ بها على كرسيها المتحرك ، ولتشارك في صلاة التراويح ، وكان خلالها مبتعثًا ؛ للتدريس في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى أستاذًا للعقيدة والأديان ، وبعد عودته إلى مصر تكررت اللقاءات في منزله العامر في حيِّ المطرية ( قبل أن ينتقل إلى دارته الجديدة في التجمع الخامس كما أخبرني في لقاء الرياض)  وكان لنا قراءةٌ في عدد من مؤلفاته نشرتها ضمن بحوث كتابنا (للحق والنهضة والجمال) كما أشرت سابقا ، فضلًا عن محاورات إعلامية طالت الأحداث الجارية وماكان يُطرح وقتها في الساحة من تحديَّات .

وشاء الله أن يُكرمه بجوار في دار الحق بعد معاناة مع مرض الكبد لنحو عشر السنوات ، إلى أن اشتد عليه المرض ، وأُدخل المستشفى ، ولم يكن بدٌّ من علاج الكبد المريض إلا بزراعة كبد جديد ، وقد وصف الأوقات الأخيرة لحياة عالمنا الجليل في دار الفناء مؤرخنا الأديب الأستاذ أبو الحسن الجمَّال  في مقاله الضافي المنشور في مجلة الأزهر (ذو الحجة 1438هـ – سبتمبر 2017م ص 2431)  فيقول : ” … كان الدكتورالمسير قد دخل العناية المركزة بمستشفى (المقاولون العرب) متأثرًا بمرض في الكبد يستلزم إجراء جراحة عاجلة لزرع كبد ، وقد ذكر طبيبه المعالج أنه طُلِبَ منه عمل أشعة تلفزيونية للدكتور المسير في وقت متأخرٍ من ليلة وفاته ، ولم أكن أعرف أن (محمد سيد أحمد المسير) المريض في الرعاية هو فضيلة الدكتور محمد المسير ، علمتُ بذلك أمام سريره –رحمه الله- وأصابني الحزن لرؤيته على فراش المرض ، ولكن الشيخ – على الرغم من تأخر حالته –كان دائم الذكر لله ، وكانت سبابتُه اليُمنى في حركة التوحيد ، كما في التشهد ، وحدث أن أشار الشيخ بيده لمن حوله ، فقاموا برفع قناع الأكسجين من على وجهه ؛ ليسمعوه ، وقال (مش عايزه ، خلاص ) ولكن الأطباء هموا بوضعه مرة أخرى ، فأشاحه بيده ، ونظر إلى أعلى ، ثم مد يده للأعلى ، وكأنه يستعجل لقاء ربه ، ووضع القناع وعندها سمعناه ، يُردد الشهادة ، ويحرك إصبعه كما في التشهد ،ثم طلب رؤية أولاده الكرام ، وقبل وفاته بقليل كنت عند سريره عندما دخل في نزاع الموت ، وهي مرحلة يفقد فيها المخ التحكم على أعضاء الجسم ويفقد فيها المريض وعيه تمامًا ، وما اقشعر له بدني رؤيتي للسبابة اليمنى للشيخ ، فقد كان العضو الوحيد الذي يتحرك ، كان يتحرك كما لوكان في التشهد ، لحظتها أدركت أن جوارح الشيخ كانت في طاعة ربها على الدوام ، وفي اللحظة التي توقفت فيها جارحة العقل عن ذكر الله أبَتْ جوارح الشيخ إلا أن تُسَبِّح وتعلن توحيدها لله –سبحانه وتعالى- فقد صدق قلبه وعقله ولسانه طوال حياته فصدقَتْ جوارحُه عند مماته ” (6) ,

رحم الله شيخا الداعية الإسلامي النابه فيلسوف الدعاة إلى الله فضيلة الشيخ الدكتور محمد سيد أحمد المسير الذي غادر  دنيا الفناء إلى دار البقاء وآثره الله بجواره الكريم ، وَوُرِي الثَّرى يوم الأحد الثاني من نوفمبر 2008 م ، غادر دون ضجيج إعلامي ودون مواكب زيف وبهرج الحياة الدنيا ، غادر كما يغادر نجوم الهداية من العلماء والعظماء والصالحين .
———————————-

هوامش المصادر  والمراجع :

1 – القرآن الكريم         (2) السنة النبوية الشريفة وكتب الصحاح .

(3)الجوهري.عبداللطيف ” للحق والنهضة والجمال- في الأدب والتربية والثقافة ”  ط2 ص 63 مكتبة وهب63 القاهرة 2000 م .

(4) الجمال. أبو الحسن مجلة (الأزهر) القاهرة (ذو الحجة1483ه- سبتمبر2017م ) .” الدكتور محمد سيد أحمد المسير – ذريةٌ بعضها من بعض   ”  ( من أعلامي الفكر الإسلامي) ص 2426 .

(5) حسين . الخضر شيخ الإسلام وشيخ الأزهر الأسبق  ( العلماء والإصلاح), مجلة (الأزهر) -1349هـ .

(6) انظر كاتب المقال ” للحق والنهضة والجمال – في الأدب والتربية والثقافة ) ص50 – 51 .

(7) السابق ص51 .     (8) الجمال . أبوالحسن (المشار إليه آنفا) ص2431

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*