اتقِ شرّ الحليم

بقلم – طارق العريدي :
يُعدّ الحِلم من أرفع القيم الأخلاقية التي عُرفت بها المجتمعات المتزنة، غير أن هذا الخُلُق كثيرًا ما يُساء فهمه، فيتحول من فضيلة تُحترم إلى صمت يُستغل، وفي هذا السياق، يبرز المثل الشائع: «اتقِ شرّ الحليم إذا غضب»، لا بوصفه تهديداً، بل تحذيراً أخلاقياً من التمادي.
فالحليم ليس ضعيفاً، ولا عاجزاً عن الرد، بل هو شخص يختار التريّث وضبط النفس، ويفضل الاحتواء على التصعيد. غير أن هذا الخيار، حين يُقابل بالإساءة المتكررة أو التقليل من الاحترام، قد يخلق حالة من الاحتقان الصامت، تنتهي بموقف حازم لم يكن في الحسبان.
وتشير مشاهد الحياة اليومية إلى أن بعض الأفراد يخلطون بين الحِلم والقبول المطلق، فيتمادون في تجاوز الحدود، معتقدين أن الصمت دائم، وأن الصبر بلا نهاية، وهنا تكمن الإشكالية، إذ يتحول السلوك الخاطئ من تصرف فردي إلى نمط اجتماعي، تُختبر فيه أخلاق الآخرين بدل احترامها.
المثل العربي لم يُولد عبثاً، بل جاء نتيجة تجارب إنسانية متراكمة، تؤكد أن الحليم حين يغضب، لا يفعل ذلك بدافع الانفعال، بل بعد استنفاد كل مساحات التسامح، وغضبه، في الغالب، يكون محسوباً في توقيته، واضحاً في رسالته، وحاسماً في أثره.
إن الحاجة اليوم لا تكمن في التحذير من الحليم، بل في إعادة ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وفهم أن الأخلاق لا تعني التنازل الدائم، وأن الصمت لا يُفهم بوصفه ضعفاً، بل خياراً واعياً له حدود.
فالحلم قيمة، واحترامه مسؤولية مجتمعية، وتجاوزه اختبار حقيقي لأخلاق من يسيء فهمه.




