مقالات

الإعلام الرياضي والتلوث النفسي!!

الرياض-سويفت نيوز:

منذ زمن تبارت فضائيات عدة في سباق محموم في البرامج الرياضية، وتوالت خلال السنوات العشر الأخيرة أحداث ساخنة على طاولات تلك البرامج بأسباب تراوحت بين التعصب والعصبية والسذاجة والسقوط والإسقاط.. وتباينت هويات الضيوف بين المحلل والمطبل والمبجل واللاعب المطرود والرئيس المغادر والمدرب المغمور والحكم المتقاعد والمتقاعد المتعصب، مع وجود «ندرة» من المهنيين الحقيقيين الذين كانوا على خط «الحياد» وفي صف «السداد». وتراوحت محتويات تلك البرامج ما بين «مهنية نادرة» و»عشوائية مهيمنة»، وامتلأت نتائج الحلقات باحتقان بين المشجعين، وامتعاض وسط المشاهدين، وانتصار لأصوات «الذاتية»، ومصادرة لأصول «الموضوعية».

في تاريخ الإعلام الفضائي الرياضي كانت هنالك طاولات محترمة، تمنع «التطاول»، من خلال وقت محسوب، وزمن محترم، تقطع معه كل إيحاءات «التطويل»، أو إملاءات «التأويل»، وكان هنالك «محاسبة» حتمية لكل كلمة خارج متن «الاحترام»، أو عبارة بمنأى عن حدود الأدب.. ثم جاءت موجة التطور البائسة التي ركزت على توسعة «الاستوديوهات»، وتعدد الضيوف، وتلميع الشاشات بأرقام من «وحي» المعد، و»إعداد» من وعي المقدم.. وهنالك من عزف على أوتار التجديد المخجل فحوّل البرامج إلى «مجمعات» للسوالف، ومجاميع «للهرجات»؛ فبقينا في إطارات «مجالس شعبية» أو «مقاهٍ تراثية»، ورأينا المجادلات، وشاهدنا المهاترات.. وطغت «الفواصل»، وتزايدات «الفصلات»، حتى بتنا أمام «مادة فضائية»، تسمى «ما شئت»، أو «كيفما اتفق»؛ فالضوابط قليلة، والأخطاء مكثفة..

أنا هنا لا أعمم السوء، ولكني أود أن أضع أساسيات للسواء الذي تفتقده برامجنا الرياضية والإعلام الرياضي الذي يجب أن يتقيد بأصول المهنية وفصول الاحترافية، وأن يكون هنالك مبادئ وأخلاقيات مهنية، يلتزم بها، وخصوصًا إذا ما علمنا أن نحو 75 % من الشرائح العمرية تتابع تلك البرامج، وقد يحدث نوع من التفاعل السلوكي والنفسي لنتاج تلك البرامج؛ الأمر الذي قد يؤصل التعصب الرياضي والعصبية الجماهيرية التي قد تؤثر على شخصية الإنسان في حياته وسلوكياته.. إضافة إلى تسبب بعض البرامج في تأثيرات تكبر مع الوقت في الانفعالات الذاتية التي قد تسبب الأمراض النفسية، وتحتاج إلى علاج سلوكي وبرامج إرشادية ممتدة الزمن والتكاليف..

وبنظرة محايدة، فإن هنالك برامج وفقرات معينة، فيها مواد إعلامية جيدة مقارنة بالسواد الأعظم الذي يركز على شيوع الدفاع عن نادٍ، وإشاعة الهجوم على آخر؛ لذا نود أن يكون هنالك اختيار لنوعية «الضيوف» في تلك البرامج بشكل مهني، وأن يتم استبعاد أي ضيف على تلك المنصات، يفتقر للخلفية الرياضية، أو أي مشارك يقع في أخطاء تصل إلى «الإدانة»؛ فالبرامج منقولة على الهواء، وتنقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تظل مقيمة في محركات البحث التقني، ولا تغادره، ومعرضة للانتشار الحتمي.

تترابط البرامج الرياضية ومحتوياتها مع ما يشوب الشارع الرياضي من تصريحات ومغالطات وتأويلات وملاسنات، وصلت إلى حد القذف في أحداث عدة، فتأتي بعض الحلقات لتصب المزيد من الزيت على النار؛ فتتحول الموضوعات إلى «قضايا نارية»، من الصعوبة إطفاء نهارها أو إخماد لهيبها، وتنعكس هي الأخرى على منظومة الأهداف الأصيلة والراقية للرياضة كحرفة وهواية وذائقة؛ مما يتسبب في خلق سلوكيات سلبية مستقبلاً بين أجيال تتلون وفق المنتج، وتتبدل ضمن المحتوى..

ما يحدث في المباريات، وخلف الكواليس، وفي منصات التصريحات، عُقد نفسية، واختلال سلوكي، يجب أن تتم دراسته ومعرفة مكامن الخلل فيه.. وهنالك تخصص قائم بذاته، هو علم النفس الرياضي الذي أتمنى أن تُلزم الأندية بتوفير متخصصين فيه، أو أن تبادر على الأقل بالاستعانة بأخصائي في هذا التخصص ضمن طاقمها الإداري والفني؛ فوجوده في هذا الوقت لا يقل أهمية عن المدير الفني؛ لأن وجود هذا المتخصص يخدم رياضتنا من جانبين، أولهما الجانب التخصصي، وهو إعانة الفرق في تجاوز موجهات الإحباط والقلق والتوتر والحرب النفسية والضغوط التي تتشكل في محيطات البطولات والمواجهات، ومن جانب آخر دراسة أوضاع الإداريين والفنيين واللاعبين الذين يتعرضون لمشكلات نفسية إما خارج أروقة النادي، أو من خلال التأثيرات التي تتمخض عن مسيرة الفريق في المسابقات المختلفة، أو تداعيات المواد الإعلامية.

ما نراه في بعض البرامج تلوث نفسي، واعتلال واضح، يجب أن يخضع إلى علاج سلوكي مبرمج على أيدي مهنيين ومتخصصين.

وعلى الصعيد ذاته، أتمنى أن تبادر وزارة الرياضة بعقد ورش عمل ودورات متخصصة لرؤساء الأندية والطواقم الإدارية فيها، تتركز على التأهيل النفسي والسلوكي والإداري، وإدارة الأزمات، والحرب على التعصب الرياضي.. وأتمنى من وزارة الإعلام والهيئات المتخصصة توفير دورات متخصصة للمنتسبين للإعلام الرياضي، تركز على تأهيلهم إعلاميًّا ومهنيًّا للمشاركة في البرامج الرياضية، ومراعاة الذوق العام في إدارة الحوار. وأطالب بأن تسن عقوبات على المتورطين في أي مخالفات تعارض المنطق وتسيء للمنطلقات الأساسية التي وضعت من أجلها هذه البرامج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى