مقالات

يوم التأسيس السعودي.. حين تُبنى الدولة وتُصاغ العلاقات بالحكمة

بقلم – عبدالنبي الشعلة :

بين نفحات شهر رمضان المبارك، تحتفل المملكة العربية السعودية الشقيقة في الثاني والعشرين من فبراير بيوم التأسيس؛ إحياءً لذكرى قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية بالعام 1727م، في محطة تاريخية شكلت نقطة الانطلاق لمسيرة طويلة من البناء والتوحيد، تُوِّجت بقيام المملكة العربية السعودية الحديثة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه. وهي مسيرة لم تقتصر على توحيد الجغرافيا، بل امتدت إلى بناء دولة راسخة، ذات حضور مؤثر ومكانة متقدمة في محيطها الإقليمي والدولي.

ويأتي هذا الاحتفاء هذا العام متزامنًا مع احتفال مملكة البحرين بـ “عام عيسى الكبير”، في مصادفة تحمل دلالات تاريخية عميقة، إذ تلتقي تجربتان عربيتان في لحظة تأسيس الدولة وترسيخ الاستقرار؛ فالشيخ عيسى بن علي آل خليفة يُعد مؤسس الدولة البحرينية الحديثة؛ إذ انتقل بالبحرين من نظام المشيخة إلى مفهوم الدولة، وبدأ مبكرًا في إنشاء الأجهزة الإدارية والمؤسسات التعليمية والقضائية والصحية والتجارية، واضعًا أسس الحكم المستقر والهوية السياسية الواضحة.

ولم يكن هذا الدور محصورًا في الداخل البحريني، بل تجاوزه إلى الإسهام في بناء علاقات إقليمية متينة، وفي مقدمتها العلاقات البحرينية — السعودية؛ فقد كان الشيخ عيسى الكبير أول من أرسى العمق التاريخي والسياسي لهذه العلاقة، ووضع قواعد التواصل والتفاهم مع آل سعود في مرحلة إقليمية مضطربة. وتؤكد الوثائق التاريخية، ولاسيما المراسلات المتبادلة بين الشيخ عيسى الكبير والملك عبدالعزيز خلال الفترة من 1913 إلى 1927، أن هذه العلاقة لم تكن علاقة مصالح ظرفية، بل علاقة دعم وثقة واحترام متبادل، تجلت حتى في البعد الإنساني؛ إذ كان الملك عبدالعزيز يخاطب الشيخ عيسى الكبير بعبارة “الوالد”.

وتعود جذور هذه العلاقة إلى ما هو أبعد من تلك المرحلة، وتحديدًا إلى العام 1891، حين زار الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود البحرين برفقة والده الإمام عبدالرحمن، وكان في السادسة عشرة من عمره. أقام الأمير الشاب آنذاك في البحرين فترة من الزمن ضيفًا مكرمًا على الحاكم، واحتك بأبناء الأسرة الحاكمة، ونشأت خلال تلك الإقامة علاقات ودية وإنسانية مبكرة، تركت أثرها العميق لاحقًا عندما أصبح عبدالعزيز ملكًا ومؤسسًا لدولة.

وتبرز أهمية البحرين في حسابات الملك عبدالعزيز من خلال زياراته الرسمية لها، وأولها بالعام 1930 في عهد الشيخ عيسى الكبير أيضًا، وهي زيارة جاءت عقب زيارته التاريخية للعراق ولقائه بالملك فيصل الأول ابن الحسين. وقد عكست تلك الجولة دبلوماسية ناضجة، هدفت إلى معالجة آثار الصراعات السابقة في المنطقة، ولا سيما الصراع الذي نشب بين آل سعود والهاشميين إبّان حكمهم للحجاز، وانتهى بسيطرة آل سعود على الحجاز بعد مواجهات عسكرية قاسية وحصار طويل لمدينة جدة.

وتعززت العلاقات البحرينية السعودية بصورة أعمق خلال الزيارة الرسمية الثانية التي قام بها الملك عبدالعزيز إلى البحرين بالعام 1939، والتي استمرت خمسة أيام، وكان خلالها ضيفًا على صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة. وقد ترك الزعيمان الراحلان، الملك عبدالعزيز والشيخ عيسى الكبير، إرثًا ثمينًا من العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين البلدين، حافظ عليه الأبناء من بعدهما، وطوّروه بحكمة وثبات، حتى أصبح نموذجًا يُحتذى به في علاقات حسن الجوار والتكامل الخليجي.

وإذ تشارك البحرين اليوم أشقاءها في المملكة العربية السعودية احتفاءهم بيوم التأسيس، فإنها تشاركهم كذلك مشاعر الفخر والاعتزاز بسيرة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وبما تميز به من بعد نظر وحكمة سياسية ودبلوماسية واعية. ويبرز في هذا السياق واحد من أهم منجزاته الدبلوماسية، حين زار المملكة المصرية بالعام 1946، في لحظة مفصلية هدفت إلى توثيق العلاقات الثنائية وتعزيز مسار العمل العربي المشترك، ولاسيما في إطار دعم تأسيس جامعة الدول العربية.

ولم يكن مشروع الملك عبدالعزيز لتأسيس الدولة السعودية الثالثة مشروع توسع عسكري، بقدر ما كان مواجهة تاريخية مع واقع إقليمي معقد تحكمه بقايا الإمبراطورية العثمانية؛ ففي بدايات القرن العشرين، وأثناء سعيه لتوحيد نجد وبناء نواة الدولة، واجه حملات عسكرية قادتها أو موّلتها الدولة العثمانية، وشاركت فيها قوات نظامية من بينها وحدات تابعة للجيش المصري، الذي كان آنذاك جزءًا من المنظومة العثمانية. وقد شهدت مناطق القصيم ومحيطها مواجهات بارزة بين العامين 1904 و1906، انتهت، على الرغم من الفارق الكبير في العتاد والتنظيم، بتكريس نفوذ عبدالعزيز وتثبيت أقدام مشروعه السياسي.

ومع انهيار الدولة العثمانية وولادة الدول الوطنية العربية، طُويت صفحة الصدام، لتتحول العلاقات من منطق الإمبراطوريات إلى منطق الدول المستقلة. وفي هذا السياق، جاءت زيارة الملك عبدالعزيز إلى مصر ولقاؤه بالملك فاروق بوصفها لحظة رمزية بالغة الدلالة، جسدت انتقال المنطقة من زمن الصراعات المفروضة إلى زمن العلاقات القائمة على الاعتراف المتبادل والاحترام والسيادة، وهي الروح ذاتها التي حكمت علاقاته المبكرة والمتقدمة مع البحرين وسائر دول الخليج العربي.

إن يوم التأسيس السعودي ليس مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل هو مناسبة للتأمل في تجربة دولة قامت على الحكمة، وبُنيت على التوازن بين القوة والسياسة، ورسخت علاقاتها الإقليمية على أسس الثقة والاحترام وحسن الجوار. وهي القيم ذاتها التي جمعت المملكة العربية السعودية بمملكة البحرين منذ البدايات الأولى، ومازالت تشكل حتى اليوم قاعدة راسخة لعلاقة أخوية نموذجية بين دولتين شقيقتين، تشتركان في التاريخ والمصير، وتتطلعان معًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وتعاونًا وازدهارًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى