مقالات

الصبر الذي سبق الرحيل

كتب – علي صلاح :
بعد رحلة امتدت لأربعة عشر عامًا من الصبر والمجاهدة، رحلت عنا أمي .. المرأة القوية، الطيبة، الصابرة .. عايشة الفارس.
رحلت بعد أن خاضت مع المرض الخبيث معركة طويلة، كانت فيها مثالًا نادرًا للثبات، عنوانًا للرضا، وصورة حية للإيمان حين يُمتحن.

في أحد الليالي، انقلب الحال فجأة، واشتد الوجع، وضعف الجسد الذي طالما قاوم، فنُقلت عايشة إلى الطوارئ بحثًا عن راحة تخفف ألمها. أُجريت لها عملية عاجلة، ثم انتقلت إلى غرفة التنويم، رحلة جديدة من الانتظار والأمل، لكنها كانت أثقل من سابقاتها.

وحولها، كان زوجها وأبناؤها وإخوتها وأخواتها، يحيطون بها حبًا ودعاءً، مشهدًا موجعًا لكل من رآه… كيف لقلب بهذا الصبر أن يتألم، وكيف لروح بهذا النقاء أن تُرهق؟

وكان زوجها الصالح صلاح، السند الذي تستند عليه، يهدئها، يقرأ عليها، ويذكرها بالله حتى تهدأ.
وفجأة… نطقت عايشة، بصوتٍ متعب، لكنه مطمئن، وابتسامة راضية وقالت:

“ما شفنا من الله إلا كل خير، لا إله إلا الله.”

كانت جملة قصيرة… لكنها هزّت القلوب.
بكى من سمعها، وبكى صلاح بكاءً لم يُعرف عنه من قبل، وتأثر كل من حضر.
تلك الكلمات لم تكن وداعًا فقط، بل شهادة حياة، ورسالة صبر، وخاتمة مشرّفة لامرأة عرفت معنى الرضا الحقيقي.

رحلت عايشة الفارس، لكن صبرها بقي، وإيمانها بقي، وأثرها بقي في كل قلب عرفها. رحل الجسد، وبقيت السيرة… وبقي الدعاء.

نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل ما أصابها رفعةً لها في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وأن يجمعها بمن تحب في جنات النعيم. وأن يلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى