مكة المكرمة .. ذاكرة التراث غير المادي تتوارثها الأجيال وتروي حكايتي المكان والإنسان
مكة المكرمة – واس:
تحتضن مكة المكرمة رصيدًا ثريًا من التراث غير المادي الذي يجسد ملامح هويتها الثقافية والاجتماعية ويختزل تاريخًا طويلًا من العادات والتقاليد والفنون الشعبية والحرف والممارسات المتوارثة التي تشكلت عبر تعاقب الأجيال، وأسهمت في رسم ملامح الحياة المكية لتبقى شاهدًا حيًا على أصالة المجتمع وتنوع روافده الثقافية وقدرته على صون موروثه ونقله إلى الأجيال القادمة.
ويبرز اليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي، الذي يوافق يوم أمس 17 أكتوبر من كل عام، أهمية المحافظة على هذا الإرث الإنساني بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية للمجتمعات وفرصة للتعريف بالموروث المحلي وإبراز قيمته الثقافية والاجتماعية وتعزيز الوعي بأهمية حمايته من الاندثار في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وتتميز مكة المكرمة بخصوصية ثقافية واجتماعية اكتسبتها من مكانتها الدينية والتاريخية ومن كونها ملتقى للحجاج والمعتمرين والزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم؛ الأمر الذي أسهم في تفاعل ثقافاتها وتنوع عاداتها وممارساتها الاجتماعية وظهور أنماط مميزة في الملبس والطعام والضيافة والفنون الشعبية أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من هويتها المتفردة.
ويأتي الموروث الاجتماعي في مقدمة مكونات التراث غير المادي المكي إذ تجسد قيم إكرام الضيف وحسن الاستقبال والتكافل الاجتماعي والتواصل بين أفراد المجتمع جانبًا أصيلًا من ثقافة أهل مكة المكرمة، وتبرز هذه القيم في المناسبات الاجتماعية والأعياد وشهر رمضان المبارك ومواسم الحج والعمرة من خلال العادات المرتبطة بالاجتماع الأسري وتبادل الأطعمة واستقبال الضيوف وتقديم القهوة والتمر ومشاركة الجيران والأقارب في المناسبات المختلفة.
ويُمثل المطبخ المكي التقليدي أحد أبرز أوجه هذا الموروث، بما يضمه من أطباق ارتبطت بالمناسبات والأعياد والموائد الرمضانية، وتناقلتها الأسر عبر الأجيال ومن بينها المطبق والسليق والهريسة والمشويات والأطباق الشعبية المتنوعة إلى جانب الحلويات والمأكولات التي ارتبطت بالذاكرة الاجتماعية لأهالي مكة المكرمة، ولا تقتصر قيمة هذه الأطعمة على مكوناتها وطرق إعدادها بل تمتد إلى ما تحمله من قصص وعادات وأساليب في التقديم والتشارك تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية في المدينة.
وفي مجال الفنون الشعبية والأداء الشفهي، تزخر مكة المكرمة بألوان من الأهازيج والأناشيد والأداءات الجماعية التي ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية والوطنية، فضلًا عن فنون الشعر والرواية الشفهية والحكايات الشعبية التي تناقلها الرواة وأسهمت في حفظ الذاكرة المحلية وتوثيق جوانب من الحياة اليومية وما شهدته المدينة من تحولات تاريخية واجتماعية، وتمثل هذه الممارسات مساحة للتعبير عن الفرح والانتماء والتواصل بين الأجيال بما تتضمنه من مفردات ولهجات وإيقاعات تعكس خصوصية البيئة المكية.
كما تشكّل الحرف التقليدية والمهن القديمة جانبًا مهمًا من الذاكرة الثقافية للمدينة إذ ارتبطت حياة المجتمع المكي بمهن يدوية وتجارية وخدمية أسهمت في تلبية احتياجات السكان والحجاج والمعتمرين، وتوارث العاملون فيها المعارف والمهارات وأساليب العمل ومن بينها بعض الحرف المرتبطة بالمنتجات الفخارية والأدوات المنزلية التقليدية وصناعة المستلزمات والمنتجات اليدوية، ويكتسب توثيق هذه المهارات أهمية خاصة في حفظ المعرفة المتوارثة، وإبراز قيمتها بوصفها جزءًا من تاريخ العمل والإنتاج في مكة المكرمة.
ويحضر التراث المرتبط بالحج والعمرة بوصفه أحد المكونات ذات الخصوصية في الذاكرة المكية بما يشمله من معارف وخبرات وممارسات اجتماعية ارتبطت باستقبال ضيوف الرحمن وخدمتهم والعادات التي صاحبت قدوم الحجاج ووداعهم وما نشأ حول هذه المواسم من مظاهر للتكافل والضيافة وتبادل الخبرات والثقافات، وقد أسهمت هذه المواسم على امتداد قرون في تشكيل جانب من الشخصية الاجتماعية للمدينة وتعزيز قيم التواصل والتسامح والتعايش بين الشعوب.
ولا ينفصل التراث غير المادي عن الأماكن التي احتضنته إذ تتكامل العادات والممارسات والحرف والفنون مع المعالم التاريخية والأسواق القديمة والمباني التقليدية التي تحفظ شواهد من الحياة المكية وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على السياقات التي نشأ فيها هذا الموروث، ومن هنا تبرز أهمية المتاحف والمراكز الثقافية والبرامج التعريفية في توثيق الروايات الشفهية وعرض الأدوات والمقتنيات والتعريف بالحرف والمهن والعادات وربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي.
وتُسهم المؤسسات الثقافية والتعليمية والجهات المعنية بالتراث في تعزيز الوعي بأهمية صون الموروث من خلال التوثيق والبحث وتنظيم المعارض والفعاليات والبرامج التعليمية وإشراك الحرفيين والرواة وكبار السن في نقل المعارف والخبرات إلى جانب تشجيع الأجيال الجديدة على تعلم المهارات التقليدية وممارستها وتطوير أساليب تقديمها بما يحافظ على أصالتها ويعزز حضورها في الحياة المعاصرة.
وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة ووسائل التواصل وممارسات العمل والإنتاج؛ إذ يتطلب الحفاظ على التراث غير المادي تجاوز الاكتفاء بعرضه بوصفه ماضيًا إلى إبقائه ممارسة حية في المجتمع تدعمها برامج التوثيق والتدريب والتعليم وتُتاح من خلالها فرص نقل الخبرات بين الأجيال والاستفادة من التقنيات الحديثة في تسجيل الروايات والأداءات وتوثيق الحرف والعادات.
ويكتسب الاحتفاء بالتراث غير المادي في مكة المكرمة بعدًا يتجاوز حدود المدينة بالنظر إلى مكانتها في الوجدان الإسلامي وما تزخر به من موروث يعكس تفاعل الثقافات الإنسانية عبر العصور، ويظل الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل جهود المؤسسات والأسر والممارسين والباحثين بما يضمن استمرار الممارسات المتوارثة وصون قيمتها الثقافية والاجتماعية.
ويؤكد هذا الموروث أن تراث مكة المكرمة لا يقتصر على شواهدها العمرانية ومعالمها التاريخية بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية وما تحمله من عادات وقيم ومعارف وفنون ومهارات توارثها الناس جيلًا بعد جيل؛ لتبقى الذاكرة المكية حية نابضة بروح المكان ومرآةً لهويته وجسرًا يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.