مقالات

الجمعة الجامعة .. ولا تنسوا الفضل بينكم

بقلم – عبدالعزيز الحسن :

الجمعة ليست يوماً عابراً في حياة الإنسان، بل هي موعدٌ متجدد مع الصفاء، ومراجعة القلوب، وإحياء معاني الرحمة والمودة والتسامح.

إنها الجمعة الجامعة لا المفرِّقة؛ تجمع القلوب قبل الأجساد، وتقرّب النفوس قبل المسافات، وتذكّرنا بأن ما يجمعنا من إنسانية وأخلاق ورحمة أكبر بكثير مما قد يفرّقنا من اختلاف في الرأي أو الاجتهاد أو الموقف.

وفي زحام الحياة، قد نختلف، وقد نتباعد، وقد تحدث بيننا مواقف وأحداث تترك في النفوس شيئاً من العتب؛ لكن عظمة الإنسان تظهر حين يستطيع أن يتجاوز الإساءة، ويحتفظ بالفضل، ويعرف أن العلاقات الكريمة لا تُبنى على تصيّد الأخطاء، ولا تُهدم بسبب لحظة غضب.

وقد جاء النداء القرآني العظيم:
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.

يا لها من قاعدة إنسانية عظيمة؛ تصلح للبيت، وللأسرة، وللصداقة، وللمجتمع، وللعمل، وللعلاقات بين الشعوب والدول.

فلا تنسوا من وقف معكم يوماً، ولا من أحسن إليكم، ولا من فتح لكم باباً، ولا من قال كلمة طيبة في وقت كنتم تحتاجونها، ولا من حفظ لكم غيبتكم، ولا من سامحكم حين كان يستطيع أن يعاتبكم.

فالفضل لا يسقط باختلافٍ عابر، والجميل لا يموت بسبب موقف، والقلوب الكبيرة لا تعيش على دفتر الحسابات.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الخصومات، وتكبر فيه الكلمات الصغيرة عبر وسائل التواصل،

نحن أحوج ما نكون إلى ثقافة تجمع ولا تفرّق، وتصلح ولا تفسد، وتطفئ نار الخلاف قبل أن تتحول إلى حريقٍ يصعب إخماده.

الجمعة الجامعة رسالة لكل إنسان:

اقترب ممن ابتعد،
وسامح من أخطأ،
واشكر من أحسن،
واحفظ الود،
ولا تجعل الاختلاف سبباً لإلغاء الفضل.

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، ولكن المطلوب أن نختلف بإنسانية، وأن يبقى الاحترام قائماً، وأن تظل أبواب الخير مفتوحة.

فالإنسان الراقي لا يبحث عن سببٍ يقطع به الآخرين، بل يبحث عن ألف سببٍ يحفظ به الود.

ولنجعل من كل جمعة فرصةً لتصفير الأحقاد، وتنظيف القلوب، وإعادة ترتيب العلاقات، وإحياء صلة الرحم، والسؤال عن الغائب، ومواساة المحتاج، وإدخال السرور على قلب إنسان.

جمعة تجمعنا على الخير،
لا تفرّقنا بالخصام.
جمعة تُحيي الفضل، لا تُحصي الأخطاء.
جمعة سلامٍ ورحمةٍ ومحبة، تمتد من القلب إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى العالم.

وما أجمل أن نغادر كل جمعة ونحن أقل غضباً، وأكثر تسامحاً، وأوسع صدراً، وأصدق محبة.

فالحياة أقصر من أن نستهلكها في الخصومات، وأجمل من أن ندفنها في العتاب، وأعظم من أن ننسى فيها الفضل بيننا.

الجمعة الجامعة

يا جمعةَ الخيرِ يا نوراً لنا اجتمعا
فيكِ القلوبُ على المحبّةِ قد وعَتْ

لا تجعلوها للخصامِ منارةً
فالصلحُ أسمى، والقلوبُ إذا صفَتْ

ولا تنسوا الفضلَ بينكمُ، فكمْ
فضلٍ جميلٍ في الحياةِ قد ثبتْ

سامحْ، وصافحْ، وازرعِ الخيرَ الذي
يبقى إذا كلُّ المواقفِ قد مضتْ

جمعةُ سلامٍ تجمعُ الإنسانَ بالـ
إنسانِ، حتى تنتهي نارُ الشتاتْ

نختلفُ الرأيَ، لكن لا نضيّعُ فضلَنا
فالودُّ أكرمُ من خلافٍ قد أتى

يا ربُّ اجعل جمعَنا جمعَ الهدى
واجعل قلوبَ العالمينَ على الوفا

جمعةٌ جامعةٌ لا مفرِّقةٌ
فيها المحبةُ والسلامُ لنا شعارْ
فيها نردُّ الجميلَ لأهلِهِ
ونصونُ فضلَ الناسِ ما دامَ النهارْ

بقلم
عبدالعزيز الحسن

زر الذهاب إلى الأعلى