فيروس هانتا.. الفيروس الخفي القادم من القوارض

بقلم – بروفيسور د. فيصل عبداللطيف الناصر :
في عالمٍ اعتاد الناس فيه على سماع أسماء الفيروسات الكبرى بعد جائحة كورونا، ما يزال هناك فيروس خطير يتحرك بصمت بعيدًا عن الأضواء، ويُعرف باسم “فيروس هانتا”، ذلك الفيروس الذي ينتقل من القوارض إلى الإنسان، وقد يتحول في بعض الحالات إلى مرض قاتل يهاجم الرئتين أو الكلى، مع نسب وفيات مرتفعة تصل أحيانًا إلى 36%.
ورغم أن هذا الفيروس ليس جديدًا، فإن كثيرًا من الناس لم يسمعوا به من قبل، ربما لأنه نادر نسبيًا، أو لأنه لم يتحول حتى الآن إلى تهديد عالمي واسع الانتشار. إلا أن خطورته تكمن في سرعة تطوره داخل جسم الإنسان، وفي غياب علاج نوعي أو لقاح فعال حتى يومنا هذا.
سُمّي الفيروس نسبة إلى نهر “هانتان” في كوريا الجنوبية، حيث تم التعرف عليه للمرة الأولى، قبل أن يظهر لاحقًا في مناطق متعددة من العالم، خاصة في آسيا وأوروبا والأمريكيتين. ويؤدي إلى نوعين رئيسيين من الأمراض؛ أحدهما يهاجم الرئتين ويظهر غالبًا في الأمريكتين، بينما يصيب الآخر الكلى وينتشر بشكل أكبر في آسيا وأوروبا.
وتحدث العدوى غالبًا نتيجة استنشاق الغبار الملوث ببول أو براز القوارض المصابة، كما يمكن أن تنتقل عبر لمس القوارض أو تناول طعام ملوث بفضلاتها. أما انتقال الفيروس بين البشر فيُعد نادرًا جدًا، ولم يُسجل إلا مع سلالة محددة تُعرف باسم “فيروس أنديز” في أمريكا الجنوبية.
وتبدأ الأعراض عادة بصورة تشبه الإنفلونزا العادية، مثل الحمى والإرهاق والصداع وآلام العضلات والغثيان، لكن الخطورة تكمن في أن الحالة قد تتدهور خلال أيام قليلة فقط، ليبدأ المريض في المعاناة من ضيق حاد في التنفس، وقد يتطور الأمر إلى فشل رئوي خطير، أو مضاعفات شديدة تؤدي إلى الفشل الكلوي.
أما فترة الحضانة، أي المدة بين التعرض للفيروس وظهور الأعراض، فتتراوح غالبًا بين أسبوعين وأربعة أسابيع، ما يجعل اكتشاف العدوى في بدايتها أمرًا صعبًا أحيانًا.
ورغم أن المرض يُصنف ضمن الأمراض النادرة، إلا أن الأرقام العالمية تكشف عن خطورته؛ إذ يُقدّر عدد الحالات السنوية عالميًا بما بين 60 و100 ألف حالة، أغلبها في الصين. كما سجلت أوروبا نحو 1885 حالة خلال عام 2023، بينما شهدت الأمريكتان خلال عام 2025 تسجيل 229 إصابة و59 وفاة. وفي الولايات المتحدة تم رصد 890 حالة منذ بدء المراقبة عام 1993 وحتى نهاية 2023.
وفي تطور لافت، شهد العالم في أبريل 2026 حادثة غير مألوفة بعد تفشي الفيروس على متن سفينة سياحية هولندية انطلقت من الأرجنتين، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية حتى مطلع مايو عن تسجيل 8 إصابات و3 وفيات على متن السفينة، ما أعاد تسليط الضوء عالميًا على هذا الفيروس المنسي.
ومع ذلك، يؤكد خبراء الصحة أن خطر تحول فيروس هانتا إلى جائحة عالمية ما يزال منخفضًا جدًا، لأن الفيروس لا ينتقل بسهولة بين البشر كما حدث مع كوفيد-19، بل يعتمد أساسًا على انتقاله من القوارض إلى الإنسان.
وتبقى الوقاية هي خط الدفاع الأول والأهم، وذلك عبر منع تسلل القوارض إلى المنازل، وعدم ترك الطعام مكشوفًا، وإغلاق الفتحات والشقوق، إضافة إلى ارتداء القفازات والأقنعة عند تنظيف الأماكن المهجورة أو المخازن القديمة، مع ترطيب الأرضيات قبل الكنس لتجنب إثارة الغبار الملوث. كما يُنصح بالحرص على تهوية الأماكن المغلقة وغسل اليدين باستمرار.
ختامًا، فإن فيروس هانتا يذكّرنا بأن بعض الأخطار الصحية لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي كي تكون خطيرة. فهو مرض نادر، لكنه شديد الفتك، ولا يوجد له حتى الآن علاج متخصص أو لقاح معتمد. ورغم عدم تسجيل حالات في دول الخليج حتى الآن، فإن الوعي والوقاية يظلان السلاح الأقوى في مواجهة هذا الفيروس الخفي القادم من عالم القوارض.