نحت الأواني الخشبية في جازان.. حكاية هوية مجتمع وتراثٍ يتجدد

جيزان – واس :
تُمثل حرفة نحت الأواني الخشبية في منطقة جازان إحدى العلامات الثقافية البارزة التي تختزل علاقة الإنسان ببيئته، وتجسد بتفاصيلها مسيرة حياةٍ امتدت عبر أجيالٍ متعاقبةٍ، حيث تحولت الأخشاب المحلية إلى شواهد حيةٍ تحكي ذاكرة الإنسان والمكان.
وتشكل هذه الحرفة تعبيرًا ثقافيًّا مُتجذرًا، يحمل في ملامحه حكايات الجبال والسواحل، ويسرد قصة مجتمعٍ عرف كيف يستثمر موارد بيئته ليصنع منها أدواتٍ تخدم حياته وتؤكد حضوره وهويته، فكل قطعةٍ خشبيةٍ تَحمل بين مساماتها أثر الزمن وبصمة الصانع، وتروي حكاية علاقةٍ مُتوازنةٍ بين الإنسان والطبيعة.
وتنبع قيمة نحت الأواني الخشبية من كونها فعلًا إِنسانيًّا يجمع البساطة والابتكار، وتحويل جذوع الأشجار إلى منتجاتٍ يستفاد منها، وتجمع بين الجمال والوظيفة في آنٍ واحدٍ، وتبدأ مراحل صناعتها من اختيار أنواع الخشب من البيئة المحلية، إذ تتنوع خصائصها من حيث اللون والملمس والصلابة؛ مما يجعل كل عملٍ فنيًّا متفردًا لَا يترادف.
ويجسد الحرفيون الجازانيون خبرةً متوارثةً في تطويع الأخشاب ونحتها يدويًّا باستخدام أدواتٍ تقليديةٍ بسيطةٍ، مستفيدين من أخشابٍ محليةٍ معروفةٍ بمتانتها مثل العرج والسدر والسلام، إضافةً إلى جذوع الأثل، ليحولوها إلى منتجاتٍ متعددة الاستخدامات شملت الصحاف الخشبية، والقعايد، والكراسي، والأسرة، والمراوح، والأدوات الزراعة، وصناديق التخزين الصغيرة لحفظ الأغراض، وغيرها من الأدوات التي ارتبطت بنمط الحياة التقليدية، ولا تزال حاضرةً في تفاصيل المعيشة اليومية لأهالي المنطقة حتى اليوم.
وتحمل بعض هذه الأواني لمساتٍ جماليةً إضافيةً، حيث تُزيَّن بنقوشٍ ورسوماتٍ فنيةٍ، وتُدهن بألوانٍ زاهيةٍ، أبرزها الأحمر والأصفر، أو تُغطى بالقطران المعروف محلِّيًّا باسم “الشُّوبِ”، وهي مادة سوداء لزجة تُستخلص من تقطير الأخشاب أو الفحم، وتُستعمل لحماية الخشب وتعزيز متانته، وتمنحه رائحةً مميزةً وطابعًا تراثيًّا أصيلًا يزيد من قيمته الجمالية والوظيفية.
ومع تنامي الاهتمام بالأسواق الشعبية والمهرجانات التراثية، شهدت الأواني الخشبية الجازانية حضورًا متزايِدًا، لتغدو حلقة وصلٍ بين الماضي والحاضر، وشاهدًا على قدرة الإنسان الجازاني في تحويل المواد الخام إلى ذاكرةٍ حيةٍ وإرثٍ ثقافيٍّ متجددٍ، يعكسُ روح المكان وعمق الانتماء.



