مقالات

القواعد والضوابط الفقهية للتعامل مع الأوبئة وتطبيقاتها

 

بقلم – د/ سامح أبو طالب:

المبحث الخامس : القواعد والضوابط المنظمة للتعامل مع الأوبئة وتطبيقاتها :

المسألة الأولى : وضع الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية لضبط أحكام الضرورة ، وتوضيح معالمها العامة وتنظيم آثارها ، وأهم هذه القواعد هي :

  • المشقة تجلب التيسير :ومعناها: أنّ المشقة التي قد يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي سبب شرعي صحيح للتخفيف فيه بوجه ما ، ولا بد أن لا يكون التخفيف مخالفًا لكتابٍ ولا سنّة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مصلحة راجحة.([1])

والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى : ” يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ” ( البقرة : 185) وقوله تعالى : ” وما جعل عليكم في الدين من حرج ” ( الحج : 78)  ومن تطبيقات هذه القاعدة : إن الأوبئة تجلب المشقة لحياة الناس ، فتتعطل أحوالهم ، وكثير منهم يصاب في عمله وأسباب معاشة ، فالمشقة هنا تجلب التيسير خاصة في باب المعاملات ، فيجب إنظار المعسر إلى الميسرة ، وترك أخذ الأقساط من الغرماء ، كما لا يجوز استغلال هذه الظروف وزيادة الأقساط عليهم بحجة الإنظار ، بل الأصل إما الإنظار، قال تعالى : ” وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ” ( البقرة :280) أو الحط من هذه الديون بعضها أو كلها ، قال تعالى : ” وأن تصدقوا خيرلكم ”

( البقرة : 280 ) إذا كان هذا الحكم في وقت الإعسار فقط ، فما بالنا بوقت الشدة والوباء.([2] ) وكذلك ترك الوضوء والصلاة بدونه للأطباء والممرضيين الذين يكونون في مراكز الحجر الصحي ، فإنهم يوضعون في ملابس معقمة ويلبسون حافضات يقضون فيها  حاجاتهم من بول وغائط لأكثر من يوم ؛ خوفا من انتقال المرض إليهم ، فهذه المشقة جلبت لهم التيسير فيكونوا كفاقد الماء ، ويصلون في ملابسهم ولا يشترط خلعها .

جاء في حاشية الجمل ” وصرح الأئمة بالعفو عن النجاسة في مسائل كثيرة منها المشقة “. ([3])

  • الضرورات تبيح المحظورات : معنى القاعدة : أن المحرم يصبح مباحا إذا عرض للمكلف ضرورة تقتضي ذلك بحيث لا تندفع تلك الضرورة إلا بارتكاب ذلك المحرّم ، كما إذا اشتد الجوع بالمكلف وخشي الهلاك، فإنه يجوز له أكل الميتة ونحوها، وفي معنى هذا – أيضا – سقوط بعض الواجبات، أو تخفيفها بسبب الضرورة فلا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة ، والمراد بالإباحة – هنا – ما يقابل التحريم؛ لأن بعض العلماء أوجبوا على المضطر الأكل من الميتة .([4]) والأصل فيها قوله تعالى: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ” (البقرة : 173 ) ، وبما روي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ” لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه ” ([5])

ومن تطبيقات هذه القاعدة : إن الإنسان له الحرية الكاملة  ، ومن هذه الحريات حرية التحرك والتنقل ، ولكن إذا ترتب على هذه الحرية ضرر للنفس أو للغير ، وجب تقيدها أو منع حركتها بما يناسب الضرورة ، وهو الذي يسمى اليوم بحظر التجوال ، سواء كان جزئيا يشمل جزءا من اليوم أو كليا يشمل اليوم كله .جاء في حاشية قليوبي ” ولا يجوز أمان يضر المسلمين ولو من الإمام ، لخبر ” لا ضرر ولا ضرار ” أي : لا يضر أحد نفسه ، ولا يضر غيره ، أو لا يضر أحد غيره اثنان فأكثر ” .([6])وكما هو معلوم ومشاهد اليوم من كثرة المصابين بفيروس كورونا وقلة الإمكانيات الطبية ، سواء إمكانيات بشرية أو أجهزة ومستشفيات ، وعليه فيجوز نظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة عند الحاجة ضمن الضوابط الشرعية – قدر الضرورة- ، وكذلك نظر الطبيب إلى عورة الرجل المريض ، فيباح له النظر إلى موضع العلّة بقدر الضرورة ، والمرأة الطبيبة في الحكم كالطبيب الرجل ، وكذلك وضع الرجل المصاب بجوار المرأة المصابة في العزل ، إذا لم يتوفر مكانا لهما ، وهذا الحكم مبني على ترجيح مصلحة حفظ النفس على مصلحة ستر العورة عند التعارض .([7])كما يجوز للدول الفقيرة أن تقتطع من مال الناس إذا لم يكن لديها ما يكفيها لدفع الوباء عن الرعية ، كما يجب إلزام بعض الناس بدفع جزء من الفائض من أموالهم ، فبعدما كان ذلك على سبيل التبرع والندب ، صار ذلك واجبا على سبيل الحتم ؛ لإنقاذ الأرواح وهو مقدم على إبقاء المال . كذلك الأصل([8]) فيمن مات من المسلمين أن يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه صلاة الجِنازة؛ ولكن في زمن انتشار الأوبئة وخوف العدوى التي تُثبِت الجهات الطِّبيَّة المختصَّة أنَّها تنتقل بمخالطة المَيت المُصَاب؛ فإن كان هناك فريق متخصص في تغسيل وتكفين ودفن أمثال هذه الحالات يَعرِف إجراءات الوقاية وأحكام الشَّريعة الخاصة بهذه الأمور؛ فتوليه أمر الغُسل والتَّكفين خيرٌ وأولى. وإنْ لم يَحدُث وسُلِّم المتوفَّى لأهله دون غُسلٍ وتكفين، فعندئذٍ يُكتَفَى بصبِّ الماء عليه وإمراره فقط بأي طريقة كانت دون تدليكه، مع وجوب أخذ كل التَّدابير الاحترازية لمنع انتقال المرض إلى المُغسِّل، من تعقيم الحُجرة، وارتداء المُغسِّل بدلة وقائية، وفرض كل سُبُل الوقاية من قِبَل أهل الاختصاص في ذلك قبل القيام بإجراء الغُسل؛ منعًا من إلحاق الأذى بمن يباشر ذلك. وإن تعذَّر صبُّ الماء خشية انتقال العدوى عن طريقِ الماء المصبوب على جسم الميِّت يُيمم كَتَيَمُّمِهِ للصَّلاة. فالضرورة تقضي عدم التجوز في تغسيله ، والصلاة عليه وتشيعه بقدر المستطاع .

  • الضرر يزال :يستدل على هذه القاعدة بما استدل به على القاعدة السابقة ، ومن ذلك : فإن تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلوات ؛ لأن إنقاذ الغرقي المعصومين عند الله أفضل من أداء الصلاة والجمع بين المصلحتين ممكن بأن ينقذ الغريق ثم يقضى الصلاة ، ومعلوم أن مافاته من مصلحة أداء الصلاة لا يقارب انقاذ نفس مسلمة من الهلاك .([9]) كذلك إذا كان هناك ضرر محقق من تجمع الناس في المساجد فإن هذا الضرر يزال بمنع الجماعة وإغلاق المساجد ، وذلك لأن الحفاظ على النفس مقدم على ما سواه ، جاء في المجموع : ” تسقط الجماعة بالأعذار سواء قلنا : أنها سنة أم فرض كفاية أم فرض عين ، لأنا وإن قلنا أنها سنة فهي سنة متأكدة ، ويكره تركها ، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة ، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها ، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك ، وإنما معناه سقط الإثم والكراهة “.([10]) فإذا كانت الجماعة تسقط مع العذر كالمطر والجوع وغيرهما ، وقد ذكر الإمام البخاري أن من الأعذارالمسقطة للجماعة السمنة المفرطة ، فقال: ” إن  السمن المفرط عذر”([11]) فإن كانت الجماعة تسقط لهذه الأعذار فسقوطها مع الأوبئة وانتشار المرض أولى .

كذلك تسقط صلاة الجمعة إذا كان هناك ضرر محقق من الاجتماع ، قال الإمام النووي : ” ولا تجب الجمعة على خائف على نفسه أو ماله ، لما روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” من سمع المنادي فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا : يا رسول الله وما العذر؟ قال : خوف أو مرض ” ([12]) ولا تجب الجمعة على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته ، لما روي أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه ” ([13]) فمن هذه النصوص – وغيرها – يتبين أن الجمعة تسقط لوجود عذر، وخاصة إذا كان التخلف سببه الحفاظ على الحياة ، ولا يخفى على ذي عقل ما يمكن أن يحدث عند اجتماع الناس في الجماعات والجمع من الإصابة التي يمكن معها مفارقة الحياة ، فإذا كان هناك ضرر من التجمع فإنه يزال حفاظا على أرواح الخلائق .

وفي هذه الحالة تصلى الجمعة ظهرا ، قال ابن القاسم : ” إن الجمعة لما كانت بدلا من الظهر ، ووقت الظهر قائم بعد ، وجب أن يعيد الجمعة ظهرا أربعا ، لتعذر إقامتها جمعة “.([14])

 

  ([1] ) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام ، علي بن نايف الشحود– (14 / 7)

[2]) ) شرح القواعد الفقهية ، أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ، دار القلم – سوريا – (93)

[3]) ) حاشية الجمل على المنهج ، زكريا الأنصاري ، ط : دار الفكر –بيروت – (1 / 514)

[4] )) القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير ، عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

الناشر : عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة (1 / 289)

[5] ) أخرجه البيهقي في سننه ، باب لا ضرر ولا ضرار ، ( 6/69 ) برقم ( 11166)

قال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه . انظر: المستدرك على الصحيحين ، أبو عبدالله الحاكم النيسابوري ، دار النشر : دار الكتب العلمية – بيروت-( 2 / 66 )

([6] ) حاشيتان قليوبي على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين ، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي ، ط: دار الفكر – بيروت- ( 4 / 227)

[7] ) فتاوى الإسلام سؤال وجواب – الشيخ محمد صالح المنجد ، المصدر : www.islam-qa.com

(1 / 5189)

 [8] )) مركز الأزهرالعالمي للفتوى الالكترونية ، فتوى بتاريخ 4/4/2020 م

[9] )) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، ط: دار الكتب العلمية – بيروت – ( 1 / 57)

[10] ) ) المجموع ، النووي ، ط : دار الفكر – بيروت – (4 / 176)

[11] )) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، علي بن سلطان محمد القاري ، ط : دار الكتب العلمية – لبنان/ بيروت – ( 3 /139)

([12] ) أخرجه الحاكم في مستدركة على الصحيحين ، ( 1/373 ) برقم ( 896)

([13] ) أخرجه البخاري ، باب فضل من شهد بدرا ، ( 2/63) برقم ( 3634)

([14]) انظر: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة ، أبو الوليد ابن رشد القرطبي ، ط : دار الغرب الإسلامي – بيروت – ( 2 / 58 )

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى