ثقافة

موسوعة المملكة توثق الأنثروبولوجيا الثقافية والإنسانية للمجتمع السعودي

الرياض – واس :


تدخل دراسة تحولات الإنسان والمجتمعات في المملكة مرحلة بحثية تؤسس للأبعاد الأنثروبولوجية بشكل غير مسبوق معززة بـرؤية السعودية 2030 التي جعلت من الثقافة والإنسان محورًا أساسيًا للتنمية، حيث تمتلك المملكة تراثًا ثريًّا، تتولى المؤسسات الوطنية البارزة توثيقه علميًا عبر مشاريع وبرامج كبرى، ومن ذلك ما تُمثله موسوعة المملكة الشاملة الصادرة عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في 20 مجلدًا مرجعًا إثنوغرافيًّا وتاريخيًّا ضخمًا يخدم الأبعاد والسياسات الأنثروبولوجية في دراسة المجتمع وتطوره.
وعلى الرغم من أن الموسوعة علمية توثيقية شاملة إلا أنها أفردت مساحات شاسعة لدراسة الإنسان السعودي والبيئة المحيطة به والمجتمع الأصلي والوافد عليه عبر العصور من منظور أنثروبولوجي يصور حالة المجتمعات والثقافات لإعطاء حالة من الفهم لكل زمان ومكان.
وتتضمن الموسوعة مادة ثرية جدًا أعدها مئات الباحثين والدارسين والأكاديميين المتخصصين في مختلف مجالات المعرفة، حيث تعد مادة غنية بالبيانات والمحتوى العلمي الرصين الذي يضاهي الموسوعات العالمية في منهجها العلمي في وصف التطور والتحولات التي تشهدها المجتمعات والشعوب، إذ ركزت على المناطق والمدن والقرى والجغرافيا والتاريخ والسكان والعادات والتقاليد والفنون والآداب والعلوم والمهن والحرف والأزياء وغيرها؛ مما يندرج في الأفق الموسوعي الشامل.
وإذا كانت فروع الأنثروبولوجيا الرئيسة تتضمن الثقافات والعادات والتقاليد والأنظمة الاجتماعية المعاصرة والأبعاد الفيزيائية واللغوية والأثرية ودراسة التطور البشري، فإن الموسوعة تغطي ذلك كله، حيث ركزت على تبيين تفاعل الإنسان السعودي عبر التاريخ مع بيئته ليصنع ثقافته الغنية بالقيم وأنماط العيش المتنوعة، وإطار هويته الوطنية والدينية الموحدة، وتوثيق تحولات المجتمع السعودي من عصر إلى عصر آخر وصولًا إلى العصر الحديث والمرحلة التي صدرت فيها الموسوعة.
وتتجلى الجوانب الأنثروبولوجية في الموسوعة بشكل مكثف من خلال توثيق العناصر التالية: الأنماط الاجتماعية والعادات والتقاليد، مثل: عادات الزواج، والضيافة، والروابط الأسرية والقبلية، وتطورها من حياة البادية والريف إلى التحضر، والأدب الشفاهي، حيث اهتمت برصد التنوع اللغوي داخل المملكة، فوثقت اللهجات المحلية والأمثال الشعبية والحكايات المأثورة والشعر النبطي، باعتبارها مرآة تعكس فكر المجتمع وقيمه الأخلاقية، ووثقت الرقصات والأهازيج الشعبية المرتبطة بالمناسبات والحروب والعمل، كالعرضة والسامري والخطوة العسيرية، وحللت دلالاتها الثقافية والاجتماعية، ودرست الموسوعة تكيف الإنسان السعودي مع بيئته الجغرافية سواء كانت صحراوية أو جبلية أو ساحلية من خلال رصد المهن التقليدية، وقدمت تحليلًا للمساكن التقليدية ونمط البناء الطيني أو الحجري وعلاقته بالخصوصية الاجتماعية والظروف المناخية في كل منطقة.
وركزت على دراسة البنى الاجتماعية، والقبائل، والأسرة، والعادات المتبعة في المناسبات والمواسم وممارسات الحياة اليومية، ورصد التراث الثقافي غير المادي حيث ترصد الموسوعة بوضوح الفلكلور الشعبي، والحرف اليدوية، والمأكولات التقليدية، والأزياء التاريخية لمختلف مناطق المملكة ومدنها وقراها.
وتحتوي الموسوعة على توثيق للمواقع التاريخية والآثار ونقوش ما قبل التاريخ، وهو ما يتقاطع مع الأنثروبولوجيا الأثرية وتطور الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية، حيث تقدم الموسوعة رصدًا وصفيًا واسعًا للحياة والمجتمع.
وتتوزع المادة الأنثروبولوجية في الموسوعة عبر دراسة علاقة الإنسان السعودي ببيئته الجغرافية وتأقلمه معها، والتحولات الديموغرافية للمجتمع، وتوثيق الممارسات اليومية، وأنماط الحياة التقليدية، وقيم المجتمع، ودراسة الفولكلور وتوثيق الفنون الشعبية، والأهازيج، والحكايات المأثورة لكل منطقة، ودراسة الرموز الثقافية من خلال الأزياء واللباس والحلي والأدوات اليومية المستخدمة، ورصد التنوع اللغوي واللهجات المحلية أداة لفهم الهوية الثقافية، ورصد البقايا المادية والثقافية للإنسان في شبه الجزيرة العربية، واستعراض الحضارات القديمة التي استوطنت أرض المملكة وتطورها عبر العصور، وتحليل النقوش والرسوم الصخرية والرموز القديمة التي تركتها المجتمعات البائدة لفهم سلوكياتهم ومعتقداتهم.
وركزت الموسوعة على رصد المعالم الأنثروبولوجية للمملكة خلال عدة قرون، حيث عرضت ذلك في كل مجلداتها، فعرضت مناطق المملكة من حيث المساحة الجغرافية والكثافة السكانية، وبيان أقدم المدن السعودية وأكثرها تحضّرًا وأكبرها حجمًا وأكثرها تباينًا من حيث التركيب السكاني، والاختلافات الثقافية المتنوعة التي اقتضتها ضرورة الحياة البيئية والمعيشية لكل فئة من سكان المنطقة في كل جزء من أجزائها من حيث المساكن والمعمار، ووجود الحرف اليدوية والصناعية، والآبار والعيون والبحيرات والمناطق الزراعية والصحراوية والبدوية، والمناطق التجارية والاقتصادية والموانئ، والمساجد، خاصة المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وعرضت للثروات المعدنية والنفط والثروة الحيوانية، وتربية الإبل والخيول، كذلك عرضت لتعدد الأجناس واللهجات والملابس والأزياء والنباتات والأشجار.
ومن المعلومات التي رصدتها الموسوعة المرتفعات والجبال والأودية، والآثار والنقوش التي تجسّدُ جميعها شواهد مادية على نشاط إنسان المنطقة في عصور ما قبل الإسلام، وما بعدها، وإبراز المضامين الفكرية والحضارية لكل منطقة.
وقد استعانت الموسوعة بمجموعات كبيرة من الخرائط المتنوعة الجغرافية، والطبوغرافية، والموضوعية، والتوضيحية، للمملكة بشكل عام، ولكل منطقة على حدة، وتضمّنت مجموعةً من الأشكال التوضيحية المتنوعة، ووظيفتها توضيح المضمون وتمثيله تمثيلًا بيانيًّا، وقد وظفت هذه الأشكال لإيضاح الإحصاءات بأنواعها الطباعية والسكانية والاقتصادية والخدمية وغيرها، كذلك اشتملت على عدد كبير من الجداول التفصيلية.
يذكر أن الموسوعة عمل فيها أكثر من “250” أكاديميًّا وباحثًا؛ وتتشكل من (20) مجلدًا، وتقع في أكثر من (20) ألف صفحة، وتضم ما يربو على (10000) عشرة آلاف صورة، مادة علمية مصورة مساندة للأبعاد العلمية والمنهجية للموسوعة، حيث تم تخصيص ما بين (500) و(1000) صورة في كل منطقة من مناطق المملكة الـ13، وتعد من أكبر وأعمق الموسوعات التي تتناول مختلف مناطق المملكة وتشكل المرجعية البحثية الأولى لمن يريد أن يدرس أو يتعرف على المملكة بشكل موسوعي.

زر الذهاب إلى الأعلى