رسالة لمرضى السرطان .. لا تدع المرض يهزمك مرتين

بقلم – د. محمد سيف الدولة :
أكتب هذه الكلمات لا من موقع المتفرج، ولا لأنني قرأت عن السرطان في كتاب، بل لأنني عرفت بنفسي كيف يمكن لتشخيص واحد أن يعيد ترتيب أشياء كثيرة داخل الإنسان. ومن هنا تعلمت أن معركة مريض السرطان ليست مع الخلايا المريضة وحدها؛ هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: كيف نحافظ على النفس، وعلى السلام الداخلي، وعلى ما تبقى لنا من العمر والحياة.
من أكثر الأشياء التي تعلمتها أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش سنوات طويلة وهو مستنزف نفسيًا. الضغط المستمر، والخصومات، والجدال، والخوف، وملاحقة من أساء إلينا قد لا تغيّر الطرف الآخر، لكنها تستطيع أن تستهلكنا نحن. ومع المرض يصبح الحفاظ على الطاقة النفسية ضرورة، لا رفاهية.
ليس كل حق يستحق أن تدفع ثمنه من صحتك
هذا لا يعني أن نتنازل عن حقوقنا أو نقبل الظلم. ولكن هناك فرقًا بين أن تطالب بحقك بعقل وهدوء، وبين أن تجعل معركة ما تسكن داخلك ليلًا ونهارًا. أحيانًا تستطيع أن تكسب الجدال وتخسر نومك وهدوءك وصحتك. وأحيانًا يكون أعظم انتصار أن تعرف متى تتوقف، ومتى توكل الأمر إلى القانون أو إلى الله، ومتى تقول: كفاني ما دفعته من عمري لهذه المعركة.
وهناك أشخاص لا يحفظون العِشرة مهما طال الزمن، وأشخاص قد يبيعون سنوات من الود عند أول مصلحة. لا تُهدر ما تبقى من طاقتك في محاولة إجبارهم على الاعتراف بجميلك. افعل الخير لأنه يشبهك أنت، لا لأنك تضمن أن يتذكره الآخرون.
ولا تدخل في معركة طويلة مع شخص اعتاد الكذب أو قلب الحقائق. وضّح موقفك عندما يلزم، واحفظ حقك بالأدلة والطرق الصحيحة، لكن لا تجعل حياتك كلها محكمة مفتوحة تحاول فيها كل يوم إثبات أنك على حق. بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة أصلًا، ولذلك لن تقنعهم ولو امتلكت ألف دليل.
أما الحاقد، فلا تجعل إثبات نجاحك له مشروع حياتك. من يعيش يراقبك بعين الحقد قد لا يشبع من أي تفسير أو تنازل. نجاحك الحقيقي ليس أن تهزمه في خصومة، بل أن تواصل حياتك دون أن تسمح له بأن يسكن رأسك.
وأحيانًا يكون الابتعاد هو العلاج
هناك علاقات مؤذية نستمر فيها فقط لأن عمرها طويل. لكن طول العلاقة لا يجعلها صحية. وإذا كانت علاقة ما تستنزفك باستمرار، وتملأ أيامك بالخوف والغضب والمهانة، فمن حقك أن تعيد تقييمها، وأن تضع حدودًا واضحة، وأن تبتعد عندما يكون الابتعاد أكثر أمانًا لك. ليس كل انسحاب هزيمة؛ بعض الانسحابات إنقاذ.
لكنني تعلمت أيضًا ألا نحول النصيحة بالابتعاد إلى عزلة كاملة. مريض السرطان يحتاج إلى الناس الطيبين أكثر من أي وقت: أسرة حقيقية، صديق صادق، طبيب يثق به، وإنسان يستطيع أن يقول أمامه: أنا خائف… دون أن يخجل من خوفه. لا تهرب من كل البشر بسبب تجربة سيئة مع بعضهم.
لا تجعل الخوف من التحليل القادم يسرق اليوم
من عاش تجربة السرطان يعرف جيدًا رهبة التحاليل والأشعات. رقم صغير قد يجعل العقل يذهب في عشرات الاتجاهات، وموعد فحص قد يسرق النوم قبل أن يأتي. وأنا لا أقول للمريض: لا تخف. فالخوف شعور إنساني. لكنني أقول: لا تعطِ الخوف حقًا أكبر من حجمه. تابع مع أطبائك، التزم بفحوصك، وخذ بالأسباب، ثم عُد إلى حياتك.
التحليل وسيلة للمتابعة، وليس حكمًا على قيمة يومك. والأشعة أداة للطبيب، وليست تصريحًا بأن تتوقف عن الضحك أو العمل أو رؤية من تحب حتى تظهر النتيجة.
الصحة النفسية جزء من العلاج… ولكن دون مبالغات
من المهم أن نقلل التوتر المزمن وأن نتعامل مع الحزن والقلق بطريقة واعية، لأن الضغط النفسي يؤثر في النوم والشهية والنشاط والالتزام بالعلاج وجودة الحياة. لكن لا ينبغي أن نقول للمريض إن الحزن هو الذي صنع السرطان أو أن التفكير الإيجابي وحده يشفيه. السرطان مرض بيولوجي معقد، وعلاجه يحتاج طبًا ومتابعة علمية. الدعم النفسي يساعد الإنسان على عبور الطريق؛ ولا يحل محل العلاج.
إذا أصبح القلق أو الحزن مسيطرًا على معظم اليوم، أو منعك من النوم والعمل والتواصل، فطلب مساعدة طبيب أو متخصص نفسي ليس ضعفًا. العقل، مثل الجسد، قد يحتاج إلى مساعدة مهنية.
تعلمت أن أبحث عن النعمة وسط التفاصيل
بعد المرض تغيرت نظرتي إلى أشياء كثيرة. أشياء كنت أظنها عادية أصبحت تستحق الحمد: صباح هادئ، نتيجة مطمئنة، جلسة مع الأسرة، القدرة على العمل، نوم بلا ألم، صديق يسأل بصدق، ويوم يمر دون مستشفى.
وأصبحت أفهم أن بعض الأمنيات التي لم تتحقق ربما لم تكن شرًا كما ظننت، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت ربما أبعدت عني ما لم أكن أراه. والحمد لله على ما تحقق، وعلى ما لم يتحقق، وعلى الخير الذي جاء في وقته، وعلى لطف الله الذي أحاط بنا في أوقات لم نكن ندرك فيها حجم هذا اللطف.
إلى زملائي محاربي السرطان
لا أطلب منكم بطولة مصطنعة. لا أحد يستطيع أن يكون قويًا كل يوم. من حقك أن تتعب، وأن تخاف، وأن تبكي، وأن تقول إن اليوم كان صعبًا. القوة الحقيقية ليست ألا تسقط أبدًا؛ القوة أن تمنح نفسك حق التعب ثم تحاول النهوض من جديد.
احمِ وقتك. اختر معاركك. اقترب ممن يمنحونك الأمان. ابتعد عن الاستنزاف قدر استطاعتك. لا تفسر نفسك لكل أحد. لا تجعل الماضي يحتل الحاضر. ولا تؤجل كل أفراحك إلى اليوم الذي تسمع فيه كلمة «انتهى»؛ لأن الحياة نفسها تحدث الآن، بين زيارة طبيب ونتيجة تحليل وموعد متابعة.
اهتم بما تستطيع التحكم فيه: علاجك، غذاؤك، حركتك، نومك، وزنك، مواعيد متابعتك، والأشخاص الذين تسمح لهم بالدخول إلى مساحتك النفسية. أما ما لا تستطيع التحكم فيه، فلا تعطِه كل طاقتك.
وأرجوكم: لا تجعلوا السرطان يأخذ منكم حياتكم مرتين؛ مرة حين أصاب الجسد، ومرة أخرى حين يسرق منكم كل يوم بالخوف والخصومات والقلق.
نحن لسنا مجرد مرضى
نحن آباء وأمهات، أزواج وزوجات، أبناء وبنات، أصدقاء، أصحاب أحلام ومشروعات وذكريات. السرطان فصل من القصة، مهما كان ثقيلًا، لكنه ليس القصة كلها.
قد لا أملك ضمانًا لما سيأتي غدًا، ولا يملكه أي إنسان. لكنني أملك اليوم. أملك أن أحمد الله، وأن آخذ بالأسباب، وأن أعيش ما أستطيع من حياتي، وأن أترك ما يستنزفني، وأن أتمسك بمن أحب، وأن أرجو الخير.
الحمد لله على كل ما مضى، والحمد لله على كل ما هو آتٍ. وما دام الله معنا، فالأمل لا ينتهي.
اللهم اشفِ كل مريض سرطان، واربط على قلب كل خائف، وقوِّ كل متعب، وارزق كل من ينتظر نتيجةً خبرًا يطمئن قلبه. اللهم اجعل ما مررنا به رفعةً ورحمة، واكتب لنا ولجميع المرضى تمام العافية وراحة القلب.