نجران في يوم التصوير العالمي.. أيقونة سياحية وحضارية ترويها عدسات المبدعين
نجران – واس:
تُبرز منطقة نجران مشهدها الثقافي المتفرد بالتزامن مع اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، الذي يوافق الـ19 من أغسطس من كل عام؛ لتتحول العدسات على أيدي مبدعيها إلى أقلامٍ تكتب التاريخ بالضوء، وتوثق نبض الحضارات وحكايات الحجر والطين.
وفي هذه التظاهرة العالمية التي تتجاوز مجرد الاحتفاء بالتقنية لتصبح حارسةً للذاكرة الإنسانية، تتجلى نجران بوصفها لوحة فنية حية تفتح ذراعيها للمبدعين؛ حيث يتبارى المصورون في استنطاق صمت قلاعها الطينية العتيقة، وآثارها الشامخة في موقعي “الأخدود” و”حمى الثقافية”، محولين تفاصيلها البصرية الفريدة وإرثها الإنساني إلى رسائل ثقافية عابرة للزمن، تُبرز عمق الهوية الوطنية للمملكة، وتقدمها للعالم بصفتها وجهة سياحية وحضارية رائدة.
وتُعد منطقة نجران، بما تتمتع به من تنوع طبيعي، وجبال شامخة، ونخيل باسق، فضلًا عن نمطها المعماري الفريد الذي يظهر جليًا في “البيوت الطينية” القديمة، مصدرًا غنيًا ومُلهمًا للمصورين؛ إذ يتناغم الطين والتبن وجذوع النخيل التي شُيدت بها هذه الحصون التاريخية مع ثنائية الضوء والظل في لحظات الشروق والغروب، مما يتيح للمصورين فرصة سانحة لالتقاط صور تعكس عبقرية الإنسان النجراني القديم في التكيف مع بيئته، وصناعة هوية بصرية مميزة تعكس جمال المنطقة الأخاذ.
ولا يقتصر دور المصورين في نجران على توثيق الجمال الظاهري فحسب، بل يغوصون بعدساتهم في أعماق التاريخ، مستغرقين في توثيق المواقع الأثرية التي تنبض بحكايات حضارات عريقة، ومن بين هذه الكنوز التاريخية، يتجلى موقع “الأخدود” الأثري، حيث تروي نقوشه ورسوماته وأسواره العتيقة قصصًا عن الصمود والتاريخ الإنساني العريق، إلى جانب منطقة “حمى الثقافية” المسجلة في قائمة التراث العالمي لليونسكو، التي تعد أضخم متحف مفتوح للنقوش الصخرية في العالم؛ حيث استطاع المصورون بمهارتهم نقل تفاصيل رسومها الساحرة التي تجسد الأشكال الآدمية والحيوانية، إضافة إلى الكتابات بالخط المسند الجنوبي، والخطوط الثمودية، والنبطية، والكوفية المبكرة، مما جعلها وجهةً تتطلع إليها أنظار الباحثين والسياح من شتى أنحاء العالم.
ويتجاوز التصوير الفوتوغرافي حدود الحجر والشجر ليشمل الإنسان وإرثه؛ حيث يتمكن مصورو نجران من التقاط تفاصيل التراث غير المادي، بدءًا من الفنون الشعبية والأهازيج الحماسية مثل “الزامل” و”الرزفة”، وصولًا إلى الأزياء التراثية المطرزة والحرف اليدوية العريقة كصناعة الخناجر النجرانية (الجنبية) والفخار والمصنوعات الجلدية، مما يضفي على الصور شعورًا بالدفء والأصالة، ويُبرز التمسك الراسخ بالهوية الثقافية للمنطقة.
وفي إطار هذا النشاط الثقافي البصري، يتجلى دور الفنانين والمصورين الذين بذلوا جهودًا كبيرة في إبراز تفاصيل نجران على المستويين المحلي والدولي عبر أعمالهم الابتكارية؛ إذ أكد الفنان والمصور عبدالله مشبب أن الصورة لم تعد مجرد لقطة عابرة، بل جسرًا يربط الماضي والحاضر، وينقل عبق التراث النجراني الأصيل إلى الأجيال الجديدة، مبينًا أن التنوع الثقافي والمعماري في نجران يفرض على المصورين مسؤولية وطنية لتوثيق هذه الكنوز وتقديمها بأسلوب فني معاصر يبرز جماليات الهوية السعودية.
وأشار المصور الفوتوغرافي ناصر الربيعي إلى أن التصوير الفوتوغرافي أصبح أحد العناصر الأساسية في حفظ ذاكرة نجران؛ إذ لا يقتصر على مجرد التقاط اللحظة، بل يسعى لاقتناص لحظات زمنية فارقة وتوثيقها قبل أن تتوارى خلف جدار الزمن، ليوثق من خلالها جمال القلاع الطينية وعمق الثقافة الأثرية في “حمى” و”الأخدود”، مؤكدًا أهمية الصور الاحترافية التي توثق الرسومات والنقوش الصخرية في المواقع الأثرية، مما يعزز مكانة نجران وجهة سياحية وثقافية رائدة على المستوى الوطني.
وفي اليوم العالمي للتصوير، يتجلى دور مصوري نجران بصفتهم مؤرخين بصريين وسفراء لإرث منطقتهم العريق؛ فمن خلال عدساتهم، يوثقون تفاصيل حضارة نجران الممتدة لآلاف السنين، مبرزين طينها العتيق، ونقوشها الأثرية الشامخة، وأصالة إنسانها، بما يسهم في ترسيخ دور الصورة أداة لا غنى عنها في حفظ الذاكرة الوطنية، وتأكيد مكانة المنطقة أيقونة سياحية وحضارية تلهم المبدعين وتجذب الباحثين عن الأصالة والجمال.