مرابط الخيل في الدرعية وبادية نجد وحي الطريف التاريخي

الرياض – واس :
تتميز الخيل العربية بالأصالة، ونقاء سلالاتها وأنسابها، حيث حازت الخيول العربية شهرة عالمية، وأصبح مفهوم: (فرس نقي) يشير مباشرة إلى الفرس العربي أو الجواد أو الحصان، وهذه الميزة جعلت جزيرة العرب مهادًا لعشاق الخيول حول العالم منذ القدم.
ويحفظ التاريخ هذه العلاقة المديدة العريقة بين الخيل والإنسان العربي في صحراء جزيرة العرب، حيث المهد الأول للخيل، كما أثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة بالمملكة العربية السعودية، وعلى أراضيها استؤنست الخيل لأول مرة في التاريخ، ويعود ذلك إلى 9 آلاف عام مضت من تاريخ البشرية، كما يشير المؤرخون.
ويرى الباحثون أن أول من ركب الخيل قبل الإسلام من العرب، هو سيدنا إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.
وقد وردت أحاديث نبوية في وصف الخيل وامتداحها، وبيان قيمتها ومكانتها منها: “الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلُها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة”، فزادت العلاقة بين العربي والخيل إلى حد أن أوصى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بأن ينفي صاحب الخيل الشعير لها. وارتبط حضور الخيل والفروسية بتاريخ الجزيرة العربية، وقد وثق المؤرخون والشعراء أسماءها وسلالاتها وفرسانها وأوصافها وأفعالها وأشهر القبائل التي اعتنت بالخيول وتربيتها وترويضها، وتضميرها، لكي تمارس مهامها في الحروب وفي الأسفار المتعددة.
أول مربط:
أدت الخيل دورًا كبيرًا في حروب التأسيس، والفروسية تعني علاقة الفارس بفرسه، وهي علاقة تمتد لسنوات طويلة، وتحتاج إلى معايشة دائمة، مثلما يقول المتنبي في مدح بعض الفرسان:
فكأنّها نتجتْ قيامًا تحتهم وكأنهم ولدوا على صهواتها
وهو الأمر الذي يجعل العلاقة بينهما وطيدة مدى الحياة.
ويشير شيرباتوف في كتابه: (الخيول العربية الأصيلة) إلى أن إصطبل ابن سعود في أيامه كان أول إصطبل لتربية الخيول في بلاد العرب، فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى حرص الأئمة على اقتناء نجائب الخيل واحتكار بعض أنواعها، وهو ما أعطاها قيمة معنوية ومادية كبيرة، ويذكر ابن بشر في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) أن “الإمام سعود بن عبد العزيز كان يملك في مرابطه ألفًا وأربعمئة فرس، هذا غير ما يملكه أبناؤه وأتباعه”.
وكان لاهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بمرابط الخيل والخيول العربية الأصيلة وعنايتهم بها دور في وجودها، وفي تعزيز سلالاتها الأصيلة، وتكاثرها في المنطقة، كما انتشرت كثير من المرابط لدى القبائل والعشائر والأسر الكبيرة في أنحاء البلاد السعودية، لتسهم في تحسين سلالات الخيول العربية الأصيلة وحفظها في الجزيرة العربية.
مرابط الخيل:
وأنشأ أئمة الدولة السعودية الأولى (1139 – 1233هـ / 1727 – 1818م) مجموعة من مرابط الخيل في الدرعية وبادية نجد، أبرزها في غرب حي الطريف التاريخي وعُرف بـ “قوع الخيل”.
وتكاثرت الخيول وزاد الاهتمام بها في عهد مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، الذي تولى إمارة الدرعية في عام 1139هـ (1727م). حيث أسس الدولة في نفس العام، واتخذ من الدرعية عاصمة لها، وعمل على توحيدها ونشر الاستقرار، مستهلًا بذلك مرحلة تاريخية مهمة في شبه الجزيرة العربية.
وقد اتصف الإمام محمد بن سعود بصفات الفارس واهتم بالخيل العربية الأصيلة كونها أداة رئيسة في معارك التوحيد وتثبيت الأمن، حيث اشتهرت الدرعية في عهده وما بعده بكثرة الخيل والإبل، ووجود الإسطبل العام لخيول آل سعود في حي الطريف، ونظرًا للمرحلة التاريخية التأسيسية للدولة السعودية الأولى وما خاضته من حروب ومن توسعات من أجل التوحيد قاد الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبدالعزيز المعارك بنفسهما، واهتما بتدريب الفرسان، وتم إنشاء سوق الخيل في الدرعية، وتدريب الفرسان على فنون التعامل مع الخيل جنبًا إلى جنب مع التدريب على فنون القتال.
ومن ملامح مرابط الخيل في الدولة السعودية الأولى مركزية الخيل، حيث اتخذ أئمة آل سعود من الدرعية مقرًّا أساسيًّا لخيولهم الأصيلة، وكان الإمام سعود بن عبدالعزيز يمتلك أفضل المهار العربية، حيث خصص 600 فرس لشجعان البوادي. وأظهرت المصادر التاريخية اهتمامًا كبيرًا بشراء الخيول الأصيلة بأثمان باهظة، وكان يخصص 300 إلى 400 فرس في الدرعية وبقيتها في الأحساء لتوفر الأعلاف.
وامتلك الإمام سعود بن عبدالعزيز فرسًا مشهورة جدًا في الجزيرة العربية سُميت “كريعة” وكان يركبها في حملاته. واعتمدت الدولة على الفرسان لسرعتهم في القتال، وكان لكل من أبناء الإمام حاشية من الفرسان، مثل عبدالله الذي كان لديه نحو 300 خيال.
وقد حافظت هذه المرابط على سلالات نقية مثل: الكحيلات، والحمدانيات، والصقلاويات، والعبيات، والصويتيات. وأسهم هذا الاهتمام في نشر اقتناء الخيل بين الأسر والقبائل السعودية، مما حفظ لهذه الأصائل مكانتها الرفيعة في الجزيرة العربية، حيث ما يزال الاهتمام بالخيل موجودًا بشكل جلي حتى اليوم حيث اهتمت القيادة السعودية عبر العقود والعهود المختلفة بتربية الخيل وإقامة مراكز للعناية بها، مع بناء الإصطبلات وأندية الفروسية، وسباقات الخيول المتعددة المحلية والعالمية.




