الرعاية الصحية .. مستقبل صحي مستدام

بقلم – هدى المالكي :
تمثل الرعاية الصحية إحدى الدعائم الرئيسية لرؤية 2030، حيث تولي القيادة الرشيدة اهتمامًا بالغًا ببناء منظومة صحية متكاملة تواكب أفضل الممارسات العالمية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن صحة الإنسان هي الأساس الحقيقي للتنمية المستدامة وبناء مجتمع حيوي واقتصاد قوي.
وشهد القطاع الصحي في المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا، تمثل في الانتقال من نموذج يركز على علاج المرض إلى نموذج شامل يعزز مفاهيم الوقاية وجودة الحياة. وقد تجسد ذلك من خلال إطلاق مبادرات وطنية تهدف إلى مكافحة الأمراض المزمنة، وتشجيع أنماط الحياة الصحية، ورفع مستوى الوعي الصحي لدى أفراد المجتمع، بما يسهم في تقليل التكاليف الصحية المستقبلية وتحسين المؤشرات الصحية العامة.
وفي إطار تحسين جودة الخدمات الصحية، عملت الجهات المعنية على تطوير البنية التحتية للمستشفيات والمراكز الصحية، وتطبيق معايير عالمية في سلامة المرضى وجودة الرعاية، إلى جانب تقليص فترات الانتظار وتسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الصحية في مختلف مناطق المملكة، بما يحقق العدالة والكفاءة في تقديم الخدمة.
ويبرز التحول الرقمي كأحد أهم عناصر التوافق بين الرعاية الصحية ورؤية 2030، حيث تم تبني التقنيات الحديثة مثل الطب الاتصالي، والسجلات الصحية الإلكترونية، وتطبيقات الصحة الذكية، إضافة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج. وأسهمت هذه التقنيات في رفع كفاءة الأداء الصحي وتحسين تجربة المستفيد، فضلًا عن دعم استدامة الإنفاق في القطاع.
وفي سياق تطوير نماذج تقديم الرعاية، أولت رؤية المملكة 2030 اهتمامًا متزايدًا بالرعاية الطبية والخدمات الصحية المنزلية، باعتبارها أحد المسارات الحديثة التي تسهم في تحسين جودة الحياة، وتخفيف الضغط على المنشآت الصحية، وتقديم رعاية صحية أكثر قربًا ومرونة للمستفيدين. وقد جاءت هذه الخدمات ضمن توجهات الخصخصة الصحية التي تقودها شركة صحة القابضة، بما يتيح للقطاع الخاص دورًا فاعلًا في تقديم خدمات صحية منزلية وفق معايير عالية الجودة وتحت إشراف وتنظيم حكومي محكم.
كما تُعد الرعاية الصحية المنزلية أحد المستهدفات الاستراتيجية لنظام التأمين الصحي، لما لها من أثر مباشر في خفض تكاليف التنويم، وتحسين كفاءة الإنفاق، وضمان استمرارية الرعاية للمرضى، خصوصًا كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، بما يحقق التوازن بين جودة الخدمة والاستدامة المالية للقطاع الصحي.
كما أتاحت رؤية 2030 فرصًا واسعة أمام القطاع الخاص للمشاركة في تطوير المنظومة الصحية، عبر نماذج الشراكة مع القطاع الحكومي، واستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية، بما يسهم في تنويع مصادر التمويل، وتعزيز التنافسية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
وفي جانب تنمية الموارد البشرية، ركزت الرؤية على تأهيل وتمكين الكوادر الصحية الوطنية، من خلال برامج التدريب والتطوير والابتعاث، بما يضمن بناء كفاءات سعودية قادرة على قيادة القطاع الصحي ومواصلة مسيرة التطوير والابتكار.
ويأتي تطوير نظام التأمين الصحي ضمن مستهدفات الرؤية، بهدف تحقيق الاستدامة المالية للقطاع الصحي، وضمان تقديم خدمات عالية الجودة، مع الحفاظ على حق المستفيد في الحصول على رعاية صحية شاملة ومتكاملة.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن التماشي بين الرعاية الصحية ورؤية المملكة 2030 يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه، بما يعزز جودة الحياة، ويرفع مستوى الصحة العامة، ويجعل من القطاع الصحي ركيزة أساسية في مسيرة التحول الوطني الشامل الذي تشهده المملكة.



