مقالات

من يرث حياتنا الرقمية ؟

بقلم – ياسر فريد :

كان الإنسان فيما مضى يترك بعد رحيله بيتاً وأموالاً وأوراقاً وصوراً تحتفظ بها أسرته. أما اليوم، فيترك إلى جانب ذلك حياة أخرى لا تُرى: هاتفاً مغلقاً، وبريداً إلكترونياً، وصوراً في فضاء سحابي، وحسابات مصرفية واستثمارية، ومحافظ إلكترونية، واشتراكات تتجدد تلقائياً، وملفات عمل، ورسائل لا يعرف أحد هل أراد لها صاحبها أن تبقى أم تختفي معه.

نمضي سنوات في بناء هذه الحياة، ونودعها جانباً كبيراً من ذاكرتنا وأعمالنا وعلاقاتنا، ثم نرحل دون أن نجيب عن سؤال بسيط ومقلق: من يملك حق الدخول إليها بعدنا؟

قد يبدو الجواب واضحاً: الورثة يرثون ما تركه المتوفى، لكن الحياة الرقمية ليست مالاً خالصاً ولا ذاكرة خالصة، بل مزيج من الحقوق والأسرار والالتزامات، فالحساب الواحد قد يضم رصيداً مالياً يدخل في التركة، وصوراً عائلية يريد الأبناء حفظها، ومراسلات لم يرد صاحبها أن يقرأها أحد.

ومن هنا الفرق الجوهري الذي يدور عليه هذا المقال: أن يرث الإنسان حقاً مالياً شيء، وأن يُمنح حق الاطلاع على حياة صاحبه كاملة شيء آخر. وامتلاك الهاتف نفسه لا يجيب عن سؤال ملكية ما بداخله، ولا عن مشروعية الوصول إليه.

والمسألة لا تخص المتوفى وحده، فلكل رسالة طرف آخر، وكل صورة قد تضم أشخاصاً لم يأذنوا بعرضها، وكل ملف مهني قد يحمل أسرار عميل أو مؤسسة. فتح الحياة الرقمية للراحل بلا حدود قد يكشف حياة أحياء لم يكونوا طرفاً في التركة أصلاً.

وفي المقابل، قد يكون الخطر عكسياً تماماً: أن تضيع الحقوق لا أن تُنتهك الأسرار. فالأصول المشفرة كالعملات الرقمية لا يمكن الوصول إليها إلا بمفتاح خاص، وإذا رحل صاحبها دون أن يترك وسيلة آمنة للوصول إليه، ضاع المال نهائياً، ولو ثبت حق الورثة فيه أمام كل محاكم الأرض. لا بنك يمكن مخاطبته، ولا جهة تملك نسخة احتياطية.

أدرك المنظم السعودي حساسية هذا الجانب مبكراً، فالفقرة الأولى من المادة الثانية في نظام حماية البيانات الشخصية تنص على أن النظام يشمل بيانات المتوفى إذا كانت ستؤدي إلى معرفته أو معرفة أحد أفراد أسرته على وجه التحديد. معنى ذلك أن الوفاة لا تجعل البيانات مباحة، ولا تُسقط عنها الحماية.

ويضرب الدليل الإرشادي الصادر عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي مثالاً معبّراً: شركة تبحث في التاريخ العائلي لأحد الأفراد فتصل إلى بيانات والده المتوفى، فتلتزم بحمايتها كما لو كانت بيانات شخص حي. والعلة واضحة، فكشف تلك البيانات قد يمسّ سمعة أسرة ما زالت على قيد الحياة.

غير أن النظام نفسه يستثني معالجة الفرد للبيانات لأغراض الاستخدام الشخصي أو العائلي، ما لم تُنشر أو يُفصح عنها للغير. وهنا تكمن المنطقة الرمادية: ما تطّلع عليه الأسرة داخل البيت قد يبقى خارج نطاق النظام، لكن نشره أو تداوله يعيده إلى دائرة المساءلة.

أما فقهياً، فالمسألة امتداد لنقاش قديم حول ما يُورث من الحقوق. فالأموال تُورث بلا خلاف، أما الحقوق غير المالية فقد اختلف الفقهاء في انتقالها، بين من يقصر الإرث على المال وما يتصل به، ومن يوسّعه ليشمل الحقوق المرتبطة بالمال. ويبقى تكييف الأصول الرقمية، وتمييز ما فيها من مال عمّا فيها من خصوصية، باباً مفتوحاً يحتاج إلى اجتهاد فقهي معاصر يواكبه.

إن كان ما سبق يميل إلى صون الخصوصية، فإن تجارب دول أخرى تكشف أن المسألة خلافية فعلاً، وأن الكفة قد تميل في الاتجاه المعاكس.

ففي ألمانيا، توفيت فتاة في الخامسة عشرة إثر حادث قطار في برلين، وأراد والداها الدخول إلى حسابها في فيسبوك لمعرفة ما إذا كانت وفاتها طبيعية أم انتحاراً، ولدفع مطالبة تعويض رفعها سائق القطار. رفضت الشركة متمسكة بخصوصية مراسلات الفتاة وأصدقائها، لكن محكمة العدل الاتحادية قضت في يوليو 2018م بأن الحساب يُورث، وأن البيانات الرقمية تُعامل في الميراث معاملة اليوميات والرسائل الورقية. وحين سلّمت الشركة الوالدين نسخة من البيانات، عادت المحكمة عام 2020م لتؤكد أن من حقهما الدخول إلى الحساب نفسه كما كانت ابنتهما تفعل، دون استخدامه استخداماً نشطاً.

وفي الولايات المتحدة، سلك المشرّع طريقاً وسطاً. فقد أصدرت لجنة القوانين الموحدة نموذجاً تبنّته ولايات كثيرة يُعرف اختصاراً بـ RUFADAA، ويفرّق بين «محتوى» المراسلات و«سجلّها». فالمنفّذ القانوني للتركة يمكنه معرفة من راسل المتوفى ومتى، لكنه لا يطّلع على مضمون الرسائل إلا بموافقة صريحة من صاحبها أو بأمر قضائي. واللافت أن هذا النموذج يقدّم ما يختاره المستخدم عبر أدوات المنصات على ما يكتبه في وصيته.

نموذجان متباينان: الأول يرى الحساب تركة كاملة تنتقل بما فيها، والثاني يرى فيه أموالاً تُورث وأسراراً لا تُفتح إلا بإذن. وهذا التباين وحده دليل على أن السؤال لم يُحسم بعد.

لم تنتظر الشركات التقنية حسم المحاكم، فوضعت أدوات تتيح للمستخدم أن يقرر بنفسه وهو على قيد الحياة. والمقارنة بينها تكشف ثلاث فلسفات مختلفة.

الرسائل الخاصةالأداةما يحصل عليه الشخص المختارالمنصة
قد تشملها البيانات المتاحةجهة الاتصال الموروثةطلب الوصول إلى بيانات الحساب كالصور والملاحظات والملفات والنسخ الاحتياطية، بشرط تقديم «مفتاح الوصول» وشهادة الوفاةApple
بحسب اختيار المستخدممدير الحساب غير النشطما يختاره المستخدم مسبقاً من بيانات، بعد مدة خمول يحددها، أو حذف الحساب كلهGoogle
لا يطّلع عليهاجهة الاتصال القديمةإدارة محدودة للحساب التذكاري: تثبيت منشور، وتغيير الصورة، وطلب حذف الحساب Meta (فيسبوك)

في Apple  يصبح «مفتاح الوصول» هو بيت القصيد، والشركة نفسها تنصح بحفظ نسخة منه مع وثائق الوصية. وفي Google،  يحدد المستخدم حتى عشرة أشخاص، ويختار لكل منهم ما يُرسل إليه. أما Meta  فاختارت الحماية القصوى للمراسلات، وبرّرت ذلك بأنها تفترض أن طرفي أي محادثة خاصة أرادا لها أن تبقى خاصة.

الدرس هنا أن هذه الأدوات لا تعمل إلا إذا فُعّلت مسبقاً. ومن لم يفعّلها ترك أسرته أمام إجراءات أطول، وأمام شروط منصات قد لا تراعي ما كان يريده.

معظمنا يرتب حياته الرقمية كأنه سيعود إليها دائماً. وحين يقع الغياب، تبدأ الأسرة رحلة بحث مرهقة: ما الذي كان يملكه؟ وأين مستنداته؟ وكيف تتوقف اشتراكاته؟ وما الذي كان يريده مستوراً؟

لهذا نحتاج إلى «خطة للإرث الرقمي»، لا بديلاً عن الوصية الشرعية ولا وسيلة لتغيير حقوق الورثة، بل ترتيباً واعياً لما نتركه. ويمكن أن تقوم على خمس خطوات:

  1. الحصر: قائمة بالحسابات المهمة، من البريد والتخزين السحابي إلى الحسابات المصرفية، والاستثمارية، والمحافظ الرقمية، والاشتراكات.
  2. التصنيف: فرز ما يرتبط بمال أو التزام، عمّا هو ذكرى عائلية، عمّا هو خاص ينبغي أن يُغلق.
  3. التعيين: تحديد الشخص الذي يُبلَّغ بوجود هذه الحسابات، وتفعيل أدوات المنصات التي تتيح ذلك.
  4. التأمين: حفظ وسائل الوصول الحرجة، كمفاتيح المحافظ المشفرة ومفاتيح الوصول، في مكان آمن تعرفه جهة موثوقة، لا في ورقة مكشوفة.
  5. التوجيه: بيان مكتوب بما يرغب صاحبه في حفظه أو حذفه أو تسليمه لأسرته.

ويبقى الوصول إلى الأموال عبر الإجراءات الرسمية والجهات المختصة، لا بمجرد معرفة كلمة مرور أو حيازة جهاز. فمعرفة وسيلة الدخول لا تُنشئ حقاً في الاستخدام.

الإنسان لا يترك بعده ما جمعه فقط، بل ما قاله وصوّره وكتبه وأخفاه. وإذا كانت العدالة تقتضي وصول الحقوق إلى أصحابها، فإن الكرامة تقتضي ألا يتحول الموت إلى إذن مفتوح باقتحام كل ما كان خاصاً.

وقد خطا نظام حماية البيانات الشخصية خطوة مهمة حين مدّ حمايته إلى بيانات المتوفى. لكن الطريق ما زال بحاجة إلى ما يكمله: دليل إرشادي واضح للإرث الرقمي، يحدد كيف تتعامل المنصات والبنوك والجهات المختصة مع طلبات الورثة، ويوازن بين حقهم في المال وحق الراحل وحق الآخرين في الستر. فالتجربتان الألمانية والأمريكية تُظهران أن غياب القاعدة الواضحة يترك الأسر بين باب مغلق ومحكمة طويلة.

وإلى أن يحدث ذلك، ربما حان الوقت لأن نسأل أنفسنا ونحن نرتب أموالنا وأوراقنا: ماذا نريد أن يحدث لحياتنا الرقمية؟ فمن حق أهلنا أن يعرفوا أين حقوقهم، ومن حقنا أن نقول ما نريد حفظه، وما نريده أن يرحل معنا.

المصادر

زر الذهاب إلى الأعلى