سياحه وترفيه

التكوينات الصخرية في حمى الثقافية بنجران.. شواهد طبيعية تحتضن ذاكرة الإنسان

نجران – واس :


تُشكّل التكوينات الصخرية في منطقة “حمى الثقافية” بنجران أحد أبرز ملامح المشهد الطبيعي للموقع، حيث تتناغم الكتل الصخرية المتنوعة مع الرمال الممتدة والنقوش والرسومات القديمة، في لوحة تجمع جمال البيئة الصحراوية وعمق الإرث الحضاري، وتمنح الزائر فرصة للتأمل في مظاهر الطبيعة واستكشاف شواهد من تاريخ الإنسان في شبه الجزيرة العربية.
وتتنوع أشكال الصخور في الموقع بين كتل ضخمة وواجهات مائلة وأخرى قائمة، إلى جانب نتوءات وتجاويف وأقواس طبيعية تشكّلت عبر فترات زمنية طويلة بفعل عوامل التجوية والتعرية واختلاف صلابة الطبقات الصخرية، وتبدو بعض التكوينات على هيئة امتدادات أفقية متدرجة، فيما ترتفع أخرى كالأبراج والكتل المتجاورة، في مشهد يعكس تنوع البنية الجيولوجية وما أضافته العوامل الطبيعية من تفاصيل مميزة.
وتبرز ملامح هذا التنوع في الحواف الصخرية والشقوق والفواصل الطبيعية التي تكشف طبقات الصخور، إلى جانب القطع المتناثرة حولها، فيما تتخلل الرمال الممرات الفاصلة بين التكوينات، لتضفي على المكان تناغمًا بين الأشكال والألوان والتضاريس، وتتغير ملامح المشهد مع اختلاف زاوية الإضاءة وامتداد الظلال، مما يمنح الموقع طابعًا بصريًا متجددًا على مدار اليوم.
وتلفت الأقواس الصخرية الأنظار بما تتخذه من أشكال تشبه البوابات الطبيعية المفتوحة على الفضاء الصحراوي؛ إذ أسهمت عمليات التعرية في نحت أجزاء منها والإبقاء على أجزاء أخرى أكثر مقاومة، لتبدو معابر طبيعية تحيط بها الكتل الصخرية والرمال، وتضفي الظلال المتشكلة أسفل الأقواس، وحولها عمقًا بصريًا يبرز تفاصيل الصخور وانحناءاتها، ويمنح المشهد مزيدًا من الجاذبية.
كما تستدعي بعض التكوينات الصخرية في أشكالها صورًا متعددة لدى المشاهد؛ فتبدو كالقلاع الطبيعية أو الأبراج أو الكتل المتوَّجة، في حين توحي أخرى بأشكال مألوفة تتباين باختلاف زاوية النظر، وينشأ هذا التأثير من تداخل الانحناءات والبروزات والشقوق مع الضوء والظل، مما يتيح للزائر مساحة للتأمل والتخيل، ويجعل تجربة مشاهدة الموقع مختلفة باختلاف أوقات الزيارة.
وتضفي الألوان الطبيعية للصخور مزيدًا من التميز على المشهد، إذ تتدرج بين البني والبرتقالي والذهبي والأحمر الترابي، وتتباين درجاتها تبعًا لطبيعة الأسطح الصخرية ومواضع الظل والإضاءة، حيث تبدو هذه الألوان أكثر دفئًا عند الشروق وقبيل الغروب؛ حين تنعكس أشعة الشمس على الطبقات البارزة، وتبرز تفاصيل التكوينات في مشهد تجمع عناصره بين هدوء الصحراء وتنوع أشكالها الطبيعية.
وأوضح باحث الآثار ومنظم الرحلات السياحية محمد آل مستنير، أن أهمية هذه التكوينات لا تقتصر على قيمتها الجمالية والجيولوجية، بل تتصل مباشرة بالمكانة الأثرية لـ”حمى الثقافية”، إذ تحتضن واجهاتها الصخرية نقوشًا ورسومات وكتابات قديمة تمثل شواهد مهمة على حضور الإنسان في المنطقة عبر عصور متعاقبة، وتوثق هذه الآثار جوانب من حياة المجتمعات التي عاشت في المنطقة أو مرت بها، كما تسلط الضوء على أنماط المعيشة والتنقل والصيد والرعي، إلى جانب أشكال التعبير والرموز التي تركها الإنسان على الصخور.
وأشار إلى أن هذا التداخل بين الطبيعة والأثر يمنح الموقع خصوصية ثقافية؛ فالصخور التي نحتتها عوامل الزمن أصبحت حاملة لشواهد إنسانية تحفظ جانبًا من ذاكرة المكان، وتتيح قراءة تاريخية تجمع بين تطور البيئة الطبيعية وأوجه النشاط البشري فيها، وتبرز النقوش والرسومات قيمة “حمى الثقافية” بوصفها سجلًا مفتوحًا يربط الحاضر بمراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، ويعزز أهمية المحافظة على هذه الشواهد ودراستها.
بدوره أكد المصور الفوتوغرافي عبدالله مشبب أن التكوينات الصخرية بموقع حمى تتسم بالتنوع في الأشكال والألوان واتساع في المشهد، بما أسهم في تعزيز الجاذبية السياحية للموقع، وتوفر فرصًا للتصوير والتأمل والتعرف على خصائص البيئة الصحراوية، كما تتيح للزوار استكشاف العلاقة بين التضاريس الطبيعية والموروث الأثري، بما يدعم تقديم تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز مشاهدة المناظر إلى التعرف على دلالاتها التاريخية والحضارية.
وتبرز “حمى الثقافية” في نجران نموذجًا لتكامل عناصر المكان؛ إذ تتجاور الصخور والرمال والنقوش في مشهد تختزن تفاصيله آثار الطبيعة وشواهد الإنسان، وبين جمال التكوينات الصخرية وما تحمله واجهاتها من نقوش ورسومات، تتجلى قيمة الموقع بوصفه معلمًا طبيعيًا وأثريًا يعكس ثراء نجران الحضاري، ويؤكد أهمية صون موروثها وتعريف الأجيال والزوار بما يزخر به من مقومات ثقافية وسياحية.

زر الذهاب إلى الأعلى