«اتفاقية مكة».. التاريخ يستعيد روحه في أقدس البقاع

بقلم – بهاء الدين أكيون :
الملحق الإعلامي التركي السابق في جدة
مكانٌ اختير بعناية، ويومٌ اختير بعناية، ورسالةٌ تتجاوز حدود اللحظة…
في مكة المكرمة، وفي يوم الجمعة، وفي رحاب أطهر بقاع الأرض، أُبرمت اليوم اتفاقية تاريخية بين ثلاث دول محورية في العالم الإسلامي: المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية.
لم يكن اختيار المكان تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، ولم تكن مكة مجرد مدينة احتضنت مراسم التوقيع؛ فالمكان نفسه يحمل ذاكرة تاريخية عميقة، ويستحضر واحداً من أبرز العهود التي عرفتها مكة قبل الإسلام، وهو «حلف الفضول».
فعلى مقربة من جبل أبي قبيس، وعند الصفا، حيث ارتبط المكان بذاكرة الدعوة والرسالة، انعقد «حلف الفضول» نصرةً للمظلوم وإحقاقاً للحق، وكان النبي محمد ﷺ قد شهد هذا الحلف في شبابه، وظل يذكر قيمته حتى بعد بعثته، قائلاً: «لو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت».
ومن هنا تبدو رمزية المكان في «اتفاقية مكة» بالغة الدلالة.
فكما كان «حلف الفضول» إعلاناً بأن الظلم لا ينبغي أن يمر بلا رد، وأن نصرة المظلوم مسؤولية جماعية، تأتي «اتفاقية مكة» في سياق معاصر لتؤكد أن أمن الدول وشعوبها، واستقرارها، وحماية سيادتها، لا ينبغي أن تكون شأناً منفرداً عندما تتعرض للتهديد.
إن الرسالة التي تنطلق من مكة اليوم واضحة وقوية: حين يقع العدوان أو الظلم، فإن التضامن الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالمواقف المشتركة والإرادة الجماعية.
وهنا تكتسب الاتفاقية أهميتها؛ فهي لا تستمد قوتها من بنودها السياسية والأمنية فحسب، وإنما من المكان الذي احتضنها والرمزية التي أحاطت بها.
ولم يكن اختيار قصر الصفا الملكي لاحتضان هذا الحدث التاريخي مصادفة أيضاً. فهذا المكان الذي يستقبل فيه قادة المملكة وضيوفها، ويجسد في مناسبات عديدة معاني التواصل والتضامن في العالم الإسلامي، شهد اليوم لحظة جديدة تُضاف إلى ذاكرته؛ لحظة تربط الماضي بالحاضر، وتستحضر قيماً راسخة في الوجدان الإسلامي لتضعها في إطار سياسي وأمني معاصر.
من مكة، حيث انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم، تأتي اليوم رسالة أخرى مفادها أن التضامن بين الدول الإسلامية يمكن أن يتحول من قيمة معنوية إلى قوة تحمي الاستقرار وتردع التهديدات وتحفظ أمن الشعوب.
إن «اتفاقية مكة» ليست مجرد وثيقة تُوقّع ثم تُحفظ في الأرشيفات، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدول الثلاث على تحويل إرادتها السياسية إلى تعاون فعّال، وعلى بناء منظومة من التنسيق والتكامل تجعل أي محاولة للمساس بأمنها واستقرارها أكثر كلفة وأقل جدوى.
وفي هذا السياق، تتجدد كلمات النبي ﷺ التي لخّصت معنى التكاتف بأبلغ صورة: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وهي الكلمات التي عبّر عنها النبي بتشبيك أصابعه، في صورة رمزية تختصر معنى القوة في الوحدة، ومعنى الصلابة في التماسك.
اليوم، تستعيد مكة هذا المعنى من جديد .. فمن «حلف الفضول» إلى «اتفاقية مكة»، يتغير الزمن، وتتغير الأدوات، لكن يبقى المبدأ واحداً: لا مكان للظلم، ولا أمن بلا تضامن، ولا قوة حقيقية من دون وحدة.
ومن هنا، فإن هذا اليوم يمثل محطة فارقة في مسار العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويبعث برسالة واضحة إلى شعوب العالم الإسلامي بأن التقارب والتعاون والتنسيق بين الدول الشقيقة قادر على صناعة واقع أكثر أمناً واستقراراً.
ولا يسعنا في هذه المناسبة إلا أن نتقدم بالشكر والتقدير إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان و الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، على هذه الخطوة التي تحمل دلالات سياسية وأمنية وتاريخية كبيرة.
نسأل الله أن يبارك هذه الجهود، وأن يجعل «اتفاقية مكة» عهداً للأمن والسلام، ورادعاً لكل من تسوّل له نفسه المساس بأمن هذه الدول وشعوبها، وأن تكون جسراً جديداً نحو مزيد من التعاون والتكامل بين دول العالم الإسلامي.
في مكة، لم يكن توقيع الاتفاقية مجرد حدث سياسي؛ كان استدعاءً للتاريخ كي يمنح الحاضر معنى، واستحضاراً لقيمة «حلف الفضول» في زمن يحتاج فيه العالم أكثر من أي وقت مضى إلى قوة الحق، ووحدة الصف، ونصرة المظلوم.