مقالات

المنازعات بين الخصومة والتصالح

بقلم – عبدالعزيز الحسن :

ليست كل معركةٍ بطولة، وليست كل خصومةٍ انتصارًا، فهناك من يجعل إشعال النزاعات مهنةً، وتأجيج الخلافات تجارةً، وتضخيم الأزمات وسيلةً لتحقيق مصالحه، حتى يصبح الفجور في الخصومة وقودًا لحياته، لا يهدأ إلا على أصوات الفتن، ولا يزدهر إلا في بيئات الانقسام، ولا يرى في الحوار إلا خسارةً لنفوذه، لأنه يعيش على النفاق، ويقتات من الكراهية، ويستثمر في انهيار الثقة بين الناس.

وفي المقابل، يقف أصحاب الحكمة والعقل والبصيرة، أولئك الذين يؤمنون أن أعظم الانتصارات ليست في كسب الخصومات، بل في إخمادها، وأن أعظم القيادات هي التي تصنع التسويات، وتُصفّر الأزمات، وتقلّل الخسائر، وتحفظ الأرواح والكرامات، وتبني جسور التواصل والتفاهم قبل أن تُبنى المتاريس والحواجز.

إن صناعة السلام ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة؛ لأن إشعال النزاع قد يستطيع أن يفعله أي متهور، أما إطفاؤه فلا يقدر عليه إلا أصحاب الحكمة والشجاعة والمسؤولية.

والتاريخ لا يخلّد من أشعل الحرائق، بل يخلّد من أطفأها. ولا يرفع من شأن من وسّع دائرة الخصومة، بل من ضيّقها حتى انتهت. فالأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على إدارة اختلافاتها بالحوار، لا بإطالة صراعاتها، وبقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرصٍ للإصلاح، لا إلى ساحاتٍ للانتقام.

إن كل كلمة تؤجج الفتنة لها ثمن، وكل شائعة تُطلق لها ضحايا، وكل خصومة تُترك بلا علاج قد تتحول إلى كارثة يصعب احتواؤها. وفي المقابل، فإن كل مبادرة صادقة للتسوية، وكل يد تمتد للمصالحة، وكل عقل يقدّم الحكمة على الانفعال، يكتب صفحةً جديدة في سجل الإنسانية.

فاختر طريقك بعناية…

أتريد أن تكون ممن يشعل النار ثم يقف متفرجًا على اتساعها؟ أم ممن يحمل الماء، ويطفئ الشرارة قبل أن تصبح حريقًا؟

فالاختيار بأيدينا، لكن النتائج ليست كذلك.

فأحسنوا الاختيار… فإنكم،
لا محالة، ستدفعون ثمن ما اخترتم؛ خيرًا كان أم شرًا.

لا تُوقِدِ الفتنَ التي تُردي الورى
فالشرُّ إن كَبُرَ استفاقَ وسادَا

وازرعْ سلامًا في القلوبِ فإنَّهُ
يبني الحضارةَ شامخًا وروادَا

كم أفسدَ الفجّارُ عمرَ شعوبِهم
حتى غدا التاريخُ منهم شادَا

وكم ارتقى أهلُ التفاهمِ حكمةً
فغدوا لوجهِ المجدِ خيرَ عمادَا

إنَّ التسوياتِ الكريمةَ رفعةٌ
والعفوُ يبقى في الضمائرِ زادَا

فاخترْ طريقَ الخيرِ قبلَ ندامةٍ
فالمرءُ يحصدُ ما غرسْتَ حصادَا

واحذرْ فكلُّ قرارِ يومِكَ شاهدٌ
سيعودُ يومًا بالجزاءِ مُعادَا

فاخترْ لنفسِكَ ما يليقُ بمجدِها
فالخيرُ يرفعُ، والشرورُ هَوَادَى.

زر الذهاب إلى الأعلى