لنكن جميعا قدوة القدوة

بقلم – عبد العزيز الحسن :
إذا ازدهى الإنسانُ بالخيرِ ارتقى
وغدتْ يداهُ على الزمانِ أمانا
لا المجدُ يُشترى، ولا الإحسانُ يُبتغى
إلا إذا كان الضميرُ مكانا
سلامُ قلبٍ لا يُريدُ مكاسبًا
بل ينثرُ الإحسانَ حبًّا وحنانا
إن الأعمال الإنسانية ليست مشاريع عابرة، ولا مناسبات موسمية، بل هي حضارة تُبنى، ورسالة تُورث، وأثر يبقى بعد رحيل أصحابه.
فكم من إنسانٍ غيّر حياة أمة بكلمة، أو مبادرة، أو موقف صادق، دون أن ينتظر تصفيقًا أو شكرًا أو وسامًا. هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين تتزين بهم المجتمعات، وتنهض بهم الأمم، وتستمر بهم مسيرة البناء.
في كل دولة، وفي كل مدينة، بل وفي كل حي، نجد رجالًا ونساءً جعلوا من العطاء أسلوب حياة، ومن التطوع رسالة، ومن خدمة الناس شرفًا لا تجارة. يعملون بصمت، ويغادرون بصمت، لكن آثارهم تبقى شاهدة على إخلاصهم، وتصبح مآثرهم مصدر إلهام للأجيال القادمة.
إن المبادرات الإنسانية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور، ولا بحجم التغطيات الإعلامية، وإنما تُقاس بعدد القلوب التي أُحييت بالأمل، وعدد الأسر التي استعادت كرامتها، وعدد الشباب الذين وجدوا فرصة، وعدد الأوطان التي ازدادت قوةً بتكاتف أبنائها.
غير أن الإنسانية تفقد شيئًا من بريقها عندما تتحول بعض الأعمال الخيرية إلى ساحاتٍ للتنافس غير الشريف، أو إلى وسائل للاستعراض، أو إلى أدوات لتصفية الخلافات الشخصية، أو لتحقيق المصالح الضيقة.
فعندما يُقدَّم العمل الإنساني لتحقيق الشهرة أو النفوذ أو المكاسب، فإنه يفقد روحه، مهما بدا في ظاهره جميلًا.
إن الإنسانية لا ينبغي أن تكون سلعة تُعرض في أسواق المزايدات، ولا وسيلة للمفاخرة، ولا تجارة تُستثمر على حساب كرامة الإنسان.
فالإنسان ليس رقمًا، ولا مادةً للإعلان، ولا وسيلة لتحقيق النفوذ، وإنما هو القيمة العليا التي وُجدت جميع الأعمال الإنسانية من أجلها.
إن السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإنسان هو الغاية، لا الوسيلة، وعندما يكون العطاء خالصًا للخير، بعيدًا عن التعصب، والمصالح، والاستقطاب، والصراعات التي تُضعف رسالة العمل التطوعي والاجتماعي.
ولهذا فإن مسؤولية المجتمع الدولي، والمؤسسات، والقيادات، والمثقفين، والمتطوعين، أن يصونوا قدسية العمل الإنساني، وأن يُبعدوا عنه كل ما يُفسد رسالته أو يُسيء إلى أهدافه النبيلة،
وأن يُرسخوا ثقافة التعاون بدل التنافس السلبي، والشراكة بدل الصراع، والإخلاص بدل المظاهر.
إن الإنسانية العالمية والسلام بحاجة إلى قادة رؤية، يحملون الإلهام قبل المناصب، ويقودون بالقدوة قبل الخطابة، ويؤمنون بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن تستثمر فيه البشرية.
فلنكن جميعًا سفراء للخير، وصُنّاعًا للأمل، وبناةً للمحبة، ولنجعل من أعمالنا الإنسانية جسورًا تعبر عليها الشعوب نحو مستقبلٍ أكثر أمنًا وعدلًا ورحمة.
فالأثر الحقيقي لا يُقاس بما نملكه، بل بما نتركه في قلوب الناس، والمجد الحقيقي ليس فيما يُكتب عن الإنسان، بل فيما يكتبه الإنسان في حياة الآخرين من خيرٍ ورحمةٍ وسلام.
ازرعْ سلامًا في القلوبِ فإنّهُ
خيرُ الكنوزِ وأعظمُ البنيانِ
واجعلْ عطاءكَ خالصًا لوجهِ المدى
يزهو بهِ الإنسانُ في الإنسانِ
فالخيرُ يبقى ما بقيتْ حضارةٌ
وتظلُّ آثارُ الكرامِ أمانِي