مقالات

إكسبو الرياض 2030 .. عندما تصبح القدرات البشرية هي الاستثمار الأهم

بقلم – علي المري :
باحث الدكتوراه في فلسفة إدارة الأعمال
[email protected]

تراقب أنظار العالم إكسبو الرياض 2030 كأحد أكبر الأحداث الدولية التي تستضيفها مملكتنا الحبيبة، تحت الشعار العميق “حقبة التغيير: معًا نستشرف المستقبل”. حيث يهدف المعرض إلى تقديم منصة عالمية للابتكار والاستدامة والتعاون الدولي.

وهنا يبرز سؤال مهم يتجاوز البنية التحتية والمشروعات العملاقة: “هل نحن نبني المنشآت فقط، أم نبني الإنسان القادر على القيادة واستدامة الأثر؟”

دعونا ننظر إلى التجارب العالمية المماثلة، نجد أن الميزة التنافسية الحقيقية لم تُقاس أبدا بحجم الاستثمارات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على بناء رأس مال بشري قيادي، يمتلك المعرفة الحقيقية، ويقود التغيير، ويستطيع تحويل التحديات إلى مشاريع فرص. فالتقنيات يمكن شراؤها، والأنظمة يمكن تطويرها، لكن الثقافة التنظيمية، والقيادة الفاعلة، والمعرفة المؤسسية، هي أصول تُبنى عبر سنوات من الاستثمار الواعي، وهذا ما يحدث فعلا في أرامكو وسابك وغيرها من الشركات الواعية التي تصنع القيادات الوطنية الأكثر تأثيرا بسبب قوة الاستثمار المعرفي والقيادي عبر برامج تطوير استراتيجية متقدمة.

شركة تويوتا، قدمت مثالاً بارزاً في هذا المجال؛ إذ لم يكن سر نجاحها في خطوط الإنتاج المتطورة كما نعتقد، بل في ترسيخ ثقافة التحسين المستمر وتمكين العاملين من التعلم، والمشاركة في تطوير العمل يومياً، حيث استمرت ببناء هياكل قيادية متعاقبة. وكذلك في تجربة أخرى، وكالة ناسا، أدركت أن تقاعد الخبراء مازال يمثل تحدياً استراتيجياً في الموارد البشرية، فطورت برامجا متخصصة لحفظ المعرفة ونقلها بين الأجيال، بقناعة كبيرة بأن المعرفة المؤسسية واستدامتها من أكثر الأصول أهمية.

وفي المملكة، تنسجم هذه الرؤية مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت تنمية الإنسان، وتمكين الكفاءات الوطنية محوراً رئيسياً لبناء اقتصاد تنافسي ومستدام. ومع اقتراب استضافة إكسبو الرياض، تتعاظم أهمية أن تتحول إدارات تطوير القوى العاملة من التركيز على تنفيذ البرامج التدريبية إلى قيادة منظومات متكاملة لبناء القدرات، وتعزيز الجاهزية، وإدارة المعرفة، وإعداد القيادات المستقبلية.

بمفهوم واضح فلن تقود المرحلة القادمة المؤسسات التي تقدم أكبر عدد من الدورات التدريبية، بل تلك التي تستطيع قياس صحة قدراتها البشرية، وتسريع انتقال المعرفة، وتعزيز الثقة التنظيمية، وتحويل التعلم إلى نتائج ملموسة في الأداء والإنتاجية والابتكار.

وإذا كان إكسبو الرياض 2030 يمثل نافذة تُطل منها المملكة على العالم، فإن أعظم رسالة يمكن أن تقدمها هي أن التنمية المستدامة تبدأ بالإنسان، وأن الاستثمار الأكثر قيمة ليس فيما نبنيه من منشآت، بل فيما نبنيه من قدرات. فالمستقبل لا تصنعه المباني وحدها، بل تصنعه العقول التي تديرها، والقيادات التي تلهمها، والمؤسسات التي تؤمن بأن الإنسان هو أصلها الاستراتيجي الأكثر استدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى