مقالات

سلاسل الإمداد.. شريان الصناعة وعصب الاقتصاد

 بقلم – خالد العميريني :

الرئيس التنفيذي لمجموعة SGG

بالرغم من أن سلاسل الإمداد قد تبدو للوهلة الأولى منظومة تشغيلية تُعنى بنقل المواد والمنتجات، إلا أن المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة أثبتت أنها أصبحت اليوم أحد أهم ركائز الأمن الاقتصادي ومحركًا رئيسًا للتنمية الصناعية والاستثمار. ومن هذا المنطلق، جاء مؤتمر سلاسل الإمداد والمشتريات 2026 الذي إختتم أعماله بالدمام أمس ليؤكد أن مستقبل الاقتصادات الناجحة يبدأ من بناء سلاسل إمداد مرنة، قادرة على الاستجابة للتحديات، ومهيأة لاغتنام الفرص، ومتكاملة مع مستهدفات التنمية المستدامة.

انعقد المؤتمر في مدينة الدمام في نسخته الثانية تحت شعار «سلاسل إمداد مرنة.. لمستقبل مستدام»، برعاية معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريف، وتنظيم جمعية سلاسل الإمداد والمشتريات، ليجمع نخبة من كبار المسؤولين وصناع القرار والخبراء المحليين والدوليين، في منصة مهنية متخصصة تناقش مستقبل أحد أهم القطاعات المؤثرة في الاقتصاد العالمي حيث تجاوز المؤتمر مفهوم اللقاءات المهنية التقليدية، ليصبح منصة إستراتيجية للحوار وصناعة الحلول، حيث ناقش المشاركون أبرز التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، في ظل ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية، وتقلبات اقتصادية، وتطورات تقنية متسارعة، فرضت على المؤسسات إعادة النظر في نماذجها التشغيلية وآليات إدارة المخاطر، بما يضمن استمرارية الأعمال وتعزيز القدرة على المنافسة.

ويأتي اختيار شعار المؤتمر ليعكس إدراكًا عميقًا بأن المرونة لم تعد خيارًا إداريًا، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا لاستدامة الأعمال. فالمؤسسات التي تستثمر في بناء سلاسل إمداد قادرة على التكيف مع المتغيرات، وتعزز المحتوى المحلي، وتتبنى الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي، ستكون الأكثر قدرة على تجاوز الأزمات وتحقيق النمو المستدام.

كما حمل المؤتمر رسالة واضحة تتمثل في دعم مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي وضعت تطوير القطاع الصناعي والخدمات اللوجستية ضمن أولوياتها الوطنية، من خلال الإستراتيجية الوطنية للصناعة والإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، الهادفتين إلى ترسيخ مكانة المملكة مركزًا صناعيًا ولوجستيًا عالميًا يربط قارات العالم الثلاث، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد، وبنيتها التحتية المتطورة، وبيئتها الاستثمارية الجاذبة.

ولعل من أبرز أهداف المؤتمر تعزيز مفهوم التكامل بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بما يسهم في بناء منظومة إمداد وطنية أكثر كفاءة واستدامة. كما ركز على تطوير الموردين المحليين، وزيادة المحتوى المحلي، وتمكين المنشآت الوطنية من الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة التحول في هذا القطاع الحيوي.

وقد شكل التحول الرقمي محورًا رئيسًا في جلسات المؤتمر، حيث ناقش المشاركون دور الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات في رفع كفاءة العمليات، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين إدارة المخاطر، وتقليل التكاليف، وتعزيز الشفافية، وهي عوامل أصبحت تمثل الأساس الحقيقي لسلاسل الإمداد الذكية في المستقبل.

كما سلط المؤتمر الضوء على الإنجازات التي حققتها المملكة في القطاع اللوجستي، والتي تعكس حجم التحول الذي تشهده البلاد، سواء من خلال توسع المدن الصناعية، وتطوير المراكز اللوجستية، أو النمو المتسارع في قطاع النقل والشحن، وصولًا إلى المشاريع الإستراتيجية الكبرى التي تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، والاستعداد لاستحقاقات عالمية مهمة مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.

ولم تقتصر مخرجات المؤتمر على تبادل الخبرات والمعرفة، بل أسهمت في ترسيخ مفهوم الشراكة بين مختلف الجهات ذات العلاقة، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتقديم رؤى عملية تسهم في بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية وتحويلها إلى فرص للنمو.

وقد عكست أرقام النسخة الثانية حجم النجاح الذي حققه المؤتمر، بمشاركة أكثر من 21 منشأة، وأكثر من 55 متحدثًا من قادة الفكر والخبراء والتنفيذيين، وتسجيل ما يزيد على 4 آلاف مشارك، إضافة إلى حضور تجاوز ألف زائر، وهو ما يؤكد تنامي مكانة المؤتمر بوصفه أحد أبرز التجمعات المهنية المتخصصة في قطاع سلاسل الإمداد والمشتريات بالمملكة.

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، باتت سلاسل الإمداد تمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الاقتصادات واستدامة التنمية، وهو ما جعل هذا المؤتمر محطة مهمة في مسيرة المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة. فمن خلال توحيد الرؤى، وتبادل الخبرات، واستشراف المستقبل، يؤكد المؤتمر أن الاستثمار في سلاسل الإمداد ليس استثمارًا في قطاع بعينه، بل استثمار في أمن الاقتصاد الوطني، واستدامة التنمية، وتعزيز مكانة المملكة بصفتها مركزًا صناعيًا ولوجستيًا عالميًا يقود مستقبل التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة والعالم.

زر الذهاب إلى الأعلى