مقالات

أربعون سعودياً… غيّروا لغة المنافسة العالمية

بقلم – د.م. أيمن بن عبد الرزاق المدني :

لم تكن فينيكس هذا العام مجرد مدينة أمريكية تستضيف معرضاً علمياً. كانت شاهدة على لحظة نضج سعودي جاء في موعده دفعة واحدة، بلا استئذان ولا تجميل.

هناك، بين منصات العرض والإضاءة القاسية ولجان التحكيم التي لا تعرف المجاملة، وقف 40 طالباً وطالبة سعوديين لا يحملون إلا أبحاثهم وأحلامهم. لم يأتوا للتصوير، ولا للتجربة، ولا ليقولوا “شاركنا”. جاءوا ليقولوا إن ما يُزرع في مدارسنا ومختبراتنا الصغيرة يستطيع أن ينافس أكبر العقول في العالم، وأن يفوز عليه أحياناً.

الطريق إلى هذه اللحظة لم يكن قصيراً ولا سهلاً. بدأ من فصول دراسية عادية في الرياض وجدة وتبوك والجبيل، حيث قدم أكثر من 350 ألف طالب وطالبة مشاريعهم في الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي إبداع 2026. من بينهم اختير أربعون، مروا بست مراحل تقييم، ودخلوا معسكرات مكثفة في مركز مشكاة التفاعلي، وعاشوا أشهراً من الاختبار والضغط والمراجعة حتى أصبحوا جاهزين لمواجهة 1,700 طالب من 70 دولة.

وحين أعلنت النتائج مساء أمس الجمعة 15 مايو، لم يكن الأمر مجرد أرقام تعلن وتطوى. 12 جائزة كبرى، 12 جائزة خاصة، والمركز الأول عالمياً في علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية. لكن الأهم من ذلك كله هو الرسالة التي وصلت إلى كل من كان يتابع، السعودية لم تعد تحاول اللحاق بالعالم في العلوم، السعودية بدأت تصنع المسار.

أتذكر أننا كنا نحتفل قبل سنوات بالمركز العاشر والمركز الخامس. كنا نعتبرها إنجازات كبيرة، وكانت كذلك في وقتها. اليوم نحتفل بالمركز الأول، ونرى أن المركز الثاني والثالث والرابع أصبحت أسماء سعودية متكررة على المنصة. هذا التحول لا يحدث بمعجزة. يحدث لأن مؤسسة موهبة ووزارة التعليم قررتا منذ 2007 أن الموهبة لا تُترك للصدفة. يحدث لأن الاستثمار في رأس المال البشري لم يعد شعاراً في ورقة ولا هُتافات تُرفع، بل صار معسكرات، ومدربين، ومشاريع، ومخاطرة محسوبة. يحدث لأن ولي الأمر السعودي بدأ يرى في معرض العلوم ما كان يراه سابقاً في كأس العالم.

ما حدث في آيسف 2026 يقول شيئاً عنا نحن، أكثر مما يقول عن الطلبة الفائزين. يقول إن جيلاً كاملاً نشأ وهو يصدق أن بإمكانه المنافسة، لا المشاركة فقط. جيل لا يخجل من أن يقول “أنا أبحث عن علاج للسرطان”، “أنا أصمم حلاً لأزمة الطاقة”، “أنا أبني نموذجاً يحاكي الجين البشري”. جيل لم يعد يرى أن العلم حكر على الآخرين، بل مساحة مفتوحة لمن يجرؤ ويعمل ويُثابر.

وحين أقرأ أسماء الفائزين، أرى أنها أكثر من مجرد أسماء على قوائم بورق. أرى محمد ناصر الأسمري الذي جعل الجبيل الصناعية تظهر على خريطة المعلوماتية الحيوية العالمية. أرى لانا أبو طالب التي حصدت جائزتين خاصتين في الطاقة، كأنها تقول إن المستقبل لن ينتظر من يستأذنه. أرى مازن مراد في الطب الانتقالي، والجوهرة بن زرعة في الكيمياء، وشيماء الكتاتني في الهندسة البيئية. كل اسم من هؤلاء يحمل خلفه قصة عائلة دعمت، ومعلم آمن، ومدرسة فتحت الباب، ودولة تفخر بهم.

وأنا ككاتب، لا أرى في هذا الخبر مادة صحفية تنتهي بانتهاء اليوم. أرى بداية لثقافة جديدة. ثقافة تجعل من الطالب الباحث بطلاً شعبياً كما كان اللاعب والفنان. وعندما يحدث ذلك، اعرف أن وطننا العظيم دخل مرحلة مختلفة. فالمجتمعات لا تتغير بالمشاريع الكبرى وحدها، بل بالنماذج التي يراها الصغار فيحلمون أن يكونوا مثلها.

مع هذا الإنجاز ارتفع رصيد المملكة في آيسف إلى 209 جائزة عالمية، منها 136 جائزة كبرى. رقم له دلالته، لكن دلالته الحقيقية ليست في الكم. دلالته في أنه يعكس تراكماً، تراكم خبرة، تراكم ثقة، تراكم إيمان بأن الإنسان السعودي قادر إذا وجد البيئة المناسبة والداعمة له.

من فينيكس، عادت البعثة السعودية محملة بالميداليات. لكنها تركت في أمريكا انطباعاً أهم من كل ميدالية، أن المستقبل السعودي يُكتب الآن، ليس في قاعات الاجتماعات، بل على طاولات البحث الصغيرة حيث يقف طالب عمره سبعة عشر عاماً ويقول للعالم بلا تردد “أنا هُنا”.

والمسؤولية الآن علينا نحن، على الإعلام أن لا يكتفي بالاحتفاء، بل أن يحول هذا الإنجاز إلى حافز. على المدارس أن لا تعتبره استثناء بل أن تجعله معياراً، وعلى المجتمع أن يفهم أن أعظم استثمار يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس في المباني بل في الثقة التي نمنحها لعقولهم.

ربما بعد عشر سنوات حين نسمع باسم عالمي في الطب أو الطاقة أو الذكاء الاصطناعي، سنعود إلى هذا اليوم فينيكس ونقول من هُنا بدأ. ومن هنا عرف العالم أن السعودية لا تصنع النفط فقط، بل تصنع العقول التي ستصنع ما بعد النفط.

وما بين هذه العقول وتلك الميادين، يتشكل عالماً جميلاً من الترابط والتكامل. فالابتكار لا يعيش وحده، بل يتنفس حين يلتقي بالثقافة التي تمنحه المعنى، وبالاقتصاد الذي يحوله إلى قيمة، وبالتجارة التي توصله للناس، وبالإعلام الذي يروي قصته، وبالسياسة التي تحمي مساره، وبالمجتمع الذي يحتضنه. هكذا تتكامل المجالات كلها في منظومة واحدة، فيصبح النجاح العلمي وقوداً لنهضة شاملة، وتصبح السعودية نموذجاً لوطن يفهم أن التقدم الحقيقي لا يقف عند حدود تخصص واحد، بل يمتد ليصنع أثره في كل ميدان. “ويا بلادي واصلي الله معكِ”

زر الذهاب إلى الأعلى