منوعات عالميه

“الحاج قاسم”.. طائر الربيع ضيف تونس ورمز الذاكرة الشعبية

تونس – واس :


في مشهد يتكرر كل عام ويستوقف أنظار السكان، يحلّق طائر “اللقلق الأبيض” فوق المدن والقرى التونسية معلنًا عودته الموسمية، في رحلة هجرة طويلة جعلت منه ضيفًا مألوفًا ورمزًا متجذرًا في الذاكرة الشعبية.
وفي اللهجة التونسية، لا يُعرف “اللقلق” باسمه الفصيح فقط، بل يُطلق عليه اسم “البلارج”، وهو توصيف دارج واسع الانتشار، كما يُعرف باسم “الحاج قاسم”، وهي تسمية تحمل دلالات ثقافية ورمزية تعود إلى الموروث الشعبي.
ويربط التونسيون هذه التسمية برحلات الطائر الطويلة المنتظمة، التي تشبه في مخيالهم رحلة الحج من حيث البعد والمشقة والعودة في توقيت معلوم، فغدا الطائر أشبه بحاج يغيب ثم يعود كل عام، كما تعكس التسمية بعدًا من الاحترام والمودة، حيث يُنظر إلى “اللقلق” بصفته كائنًا مسالمًا لا يؤذي الإنسان.
وبين السماء والأسطح، وبين الهجرة والاستقرار، ظل طائر “اللقلق”، أو “الحاج قاسم”، جزءًا من المشهد اليومي في تونس، يجمع بين العلم والطبيعة والتراث، ويقدم صورة حيّة عن قدرة الكائنات على التكيّف، وعن علاقة إنسانية قديمة ما زالت تتجدد بصمت مع كل ربيع.
ويُعدّ هذا الطائر من أبرز الطيور المهاجرة التي تعبر تونس أو تستقر فيها مؤقتًا، مستفيدة من موقع البلاد الجغرافي الذي يتوسط مسارات الهجرة بين أفريقيا وأوروبا، ومن تنوع بيئاتها الطبيعية الممتدة من الأراضي الرطبة إلى السهول الزراعية.
ويصل “اللقلق” إلى تونس عادة مع نهاية فصل الشتاء وبدايات الربيع، قادمًا من مناطق جنوب الصحراء الأفريقية، بعد أن قطع آلاف الكيلومترات مستعينًا بالتيارات الهوائية الدافئة.
وتتحول السماء في تلك الفترة إلى مسرح لأسراب متتابعة، في مشهد يعكس انتظام الطبيعة ودقة توقيت الهجرة، قبل أن يواصل بعضه الرحلة نحو الضفة الشمالية للمتوسط، بينما يختار جزءٌ آخر الاستقرارَ في تونس للتعشيش والتكاثر.
ويثير هذا الطائر الانتباه باختياره غير المألوف لأماكن بناء أعشاشه، إذ غالبًا ما تُشاهد أعشاشه الضخمة فوق قمم المنازل، وعلى أعمدة الكهرباء والهياكل المرتفعة، وهي مواقع توفر له الأمان والعلو والقدرة على مراقبة محيطه.
ومع مرور السنوات، تتحول بعض هذه الأعشاش إلى معالم ثابتة في الأحياء السكنية، يعاد استخدامها موسمًا بعد آخر، في مشهد يعكس حالة من التعايش بين الإنسان والطبيعة، بل ويحرص بعض السكان على حماية هذه الأعشاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى