علي فقندش .. حارس الذاكرة الفنية السعودية يتعافى بعد وعكة صحية

جدة – وائل العتيبي:
في لحظة مؤثرة، تتداول الأوساط الفنية والإعلامية أخبار حالة علي فقندش الصحية، حيث يتعافى الرجل الذي نسج خيوط الأصالة والتميز في عالم الفن السعودي. يُعتبر فقندش، “سفير الصحافة الفنية العربية” و”جامعة الفن العربي”، من أبرز الرواد الذين وثقوا تاريخ الفن السعودي لـ 40 عاماً، وأحد أهم المراجع في تاريخ الفن والغناء في المملكة العربية السعودية والخليج.
ارتبط اسمه لعقود بصحيفة عكاظ السعودية، حيث تدرج فيها حتى شغل منصب رئيس القسم الفني قبل تقاعده. يمتلك فقندش أرشيفاً ضخماً من الصور النادرة والتسجيلات الغنائية والمقتنيات الشخصية لرموز الفن، مثل طلال مداح ومحمد عبده، وعبدالحليم حافظ. وقد حول منزله في جدة إلى ما يشبه المتحف الفني، يروي حكاية الفن السعودي بألوانه وأصواته.
صدر له عدة كتب توثيقية، منها “هم وأنا” الذي تحول لاحقاً إلى برنامج تلفزيوني، “أوراق من حياة الخفاجي” توثيق لحياة الشاعر إبراهيم خفاجي، و”الأغاني.. قصص وحكاوي”. وكان له عدة برامج تلفزيونية مثل برنامج جواز سفر، حيث قدم من خلاله رحلات فنية وثقافية عبر العالم العربي.
يرى بعض النقاد أن فقندش يميل أحياناً إلى المجاملة الفنية والبعد عن النقد القاسي أو المباشر للفنانين، حيث يُعرف بعلاقاته الشخصية الوطيدة مع معظم نجوم الفن، مما يجعله أقرب إلى “الموثق والمؤرخ” منه إلى “الناقد الأكاديمي” الصارم. لكنه يؤمن بأن النقد الفني الحقيقي لا ينفصل عن التوثيق التاريخي؛ لذا ركزت رؤيته على حفظ القصص وراء الأغاني (كيفية كتابة النص، اختيار الملحن، وظروف الأداء) لتقديم نقد يستند إلى حقائق ملموسة وليس مجرد انطباعات عابرة.
يصف فقندش الصحافة الفنية بأنها “مساحة للعطاء” وليست حلبة استعراض، ويؤكد على ضرورة الصدق والموضوعية في الكتابة الفنية بعيداً عن المصالح الشخصية، محذراً من استخدام النقد لتصفية الحسابات أو ضرب الآخرين.
ويرى أن معظم خلافات الوسط الفني “مصطنعة” خلفها صحفيون يبحثون عن الإثارة. وربط فقندش بين المجال الرياضي والمجال الفني من جانب الشللية، إذ يجلسون مع بعضهم بعضاً في المقاهي للتكالب والتآمر على الرياضيين بالنسبة للصحافة الرياضية، أو ضد بعض الفنانين بما يتعلق بالصحافة الفنية. ورفض أن يستخدم لضرب الآخرين أو تصفية الحسابات معهم.
يتبنى فلسفة أن “الفن لا وطن له”، مشدداً في الوقت ذاته على ثراء الإرث السعودي. يحسب له أنه تعامل مع الفن كمكون من مكونات الهوية الثقافية، ويرى أصالة الفن السعودي وتنوعه.
يقول فقندش أن المملكة تملك “كنزاً هائلاً” من الفنون الأدائية المنصهرة مع الموسيقى، وأن تراثها عبارة عن لوحات أدائية ضخمة تختلف من منطقة لأخرى، حيث تنوع إيقاعاتها بين البحرية والصحراوية والجبلية (مثل الخبيتي والمزمار والدانة)، ويرى أن الملحنين الكبار استلهموا نجاحهم من هذا التنوع البيئي.
وعلى سبيل المثال، يرى أن “فن الدانة” هو إيقاع مكي عريق (يعود لأكثر من 870 عاماً) يمكن استخدامه مع أي مقام موسيقي، ويربطه بالقصائد العربية الفصيحة والمعلقات.
يُعرف عنه أنه يكتب عن الجميع إلا عن نفسه، مما جعل الكثيرين يجهلون تفاصيل أحواله الشخصية، وهو ما قد يُعد “عيباً” من وجهة نظر الباحثين عن توثيق سيرة ذاتية مكتملة له كرمز إعلامي.
رغم اعتزاله الرسمي، يبدي تفاؤلاً بالأجيال الإعلامية الجديدة، معتبراً أن توفر الأدوات الحديثة يسهل مهمة النقد والتوثيق مقارنة بالصعوبات التي واجهها جيله. ويرى أن الناقد يجب أن يكون “شاهداً أميناً” لا يلهث خلف الأضواء، بل يضيء الطريق للمواهب الناشئة.
يتمنى الجميع لعلي فقندش الشفاء العاجل والعودة إلى مسيرته الفنية والإعلامية بأفضل صحة وحال، حيث يبقى حارساً أميناً للذاكرة الفنية السعودية، وشمعة تضيء دروب الأصالة والتميز.




