الخدمات البنكية ولغة الإشارة .. حين يصبح «الصمت» عائقًا أمام العدالة المالية

بقلم – يوسف بن حسن البيشي:
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، وتتصدّر فيه مفاهيم الشمول المالي واجهات الخطاب المؤسسي، لا تزال فئة عزيزة من المجتمع —الأشخاص الصم— تواجه عوائق جوهرية داخل بعض المؤسسات المصرفية، عوائق لا تنبع من نقص في الكفاءة أو الأهلية، بل من افتراضٍ خاطئ مفاده أن «الصوت» هو الوسيلة الوحيدة للتعامل المالي.
إن اشتراط التواصل الشفهي أو الاعتماد الحصري على الهاتف المصرفي لإنجاز العمليات البنكية لا يُعد مجرد قصور تقني، بل يمثل إشكالية حقوقية وقانونية تمس جوهر مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وتستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم السياسات والإجراءات المعمول بها.
أولًا: مخالفة مبدأ الوصول الشامل
لم يُقرّ النظام مبدأ «الوصول الشامل» بوصفه ترفًا تنظيميًا، بل كحق أصيل من حقوق الإنسان. وعليه، فإن تجاهل لغة الإشارة في الفروع المصرفية، أو عدم توفير بدائل مرئية ونصية فعّالة في التطبيقات البنكية، يُعد إقصاءً صريحًا لشريحة واسعة من المجتمع. وهو إقصاء يتعارض بوضوح مع الأنظمة المحلية، كما يخالف الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية التي تُلزم الجهات الخدمية بتهيئة خدماتها بما يضمن النفاذ العادل للجميع دون تمييز.
ثانيًا: المساس بالاستقلالية والأهلية القانونية
عندما يُجبر العميل الأصم على إحضار مرافق —سواء كان قريبًا أو مترجمًا غير معتمد من قبل البنك— ليقوم مقامه في التواصل، فإننا أمام انتقاص مباشر من أهليته المالية واستقلاله القانوني. فذلك لا يفتح بابًا لانتهاك الخصوصية فحسب، بل يعرّض معلوماته المالية الحساسة للاطلاع من طرف ثالث، ويجعل قراراته المصيرية مرهونة بوسيط، في حين أن الأصل هو تمكينه من إدارة شؤونه المالية بنفسه، عبر قنوات تواصل ميسّرة وآمنة تحترم كرامته.
ثالثًا: الإعاقة ليست في الشخص… بل في الخدمة
يؤكد المنظور الحقوقي الحديث أن الإعاقة لا تكمن في الفرد، بل في البيئة غير المهيأة. وعليه، فإن امتناع المؤسسات البنكية عن توفير اتصال مرئي بلغة الإشارة، أو قنوات محادثة نصية موثقة وموثوقة، يحوّل الخدمة البنكية ذاتها إلى «عائق قائم على الإعاقة». وهو توصيف قانوني دقيق يضع تلك الممارسات ضمن دائرة التمييز السلبي، ويجعلها قابلة للمساءلة النظامية.
وفي الختام نستطيع القول أن الشمول المالي الحقيقي لا يُقاس بعدد التطبيقات أو سرعة الخدمات فحسب، بل بمدى قدرة كل فرد —دون استثناء— على التوقيع، والاستفسار، والاعتراض، وإدارة حسابه بلغته الأم (لغة الإشارة)، أو عبر بدائل تقنية نصية تضمن له الخصوصية والكرامة والاستقلال.
إنها دعوة صادقة للمؤسسات المالية لمراجعة بروتوكولاتها وسياساتها؛ فالحقوق لا تقبل التجزئة، والوصول الآمن والعادل إلى المال حقٌ أصيل للجميع.




