الحكومة الرقمية في خلال 2025: عام ترسيخ النضج وتعظيم الأثر

الرياض – واس :
لم يكن عام 2025 عامًا عاديًّا في مسيرة الحكومة الرقمية بالمملكة، بل شكّل محطة تتويج لمسار متصاعد من العمل المؤسسي، تُوّج بتحقيق المملكة المرتبة الثانية عالميًّا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) الصادر عن مجموعة البنك الدولي، إلى جانب تصدرها المرتبة الأولى عالميًّا للمرة الثالثة تواليًا في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) لعام 2024.
ولا تعكس هذه النتائج تقدمًا مرحليًّا في التصنيفات الدولية بقدر ما تشير إلى استمرارية منهجية في الأداء، وقدرة على الحفاظ على مستويات متقدمة من النضج الرقمي عبر دورات تقييم متعاقبة، وهو ما يعكس انتقال الحكومة الرقمية من مرحلة المبادرات والإطلاقات إلى ترسيخ النضج المؤسسي وتعظيم الأثر، من خلال تكثيف التنظيم، وتوسيع أدوات القياس، وتعميق التكامل بين الجهات الحكومية.
وخلال عام 2025، واصلت الحكومة الرقمية تقدمها بثبات نحو الريادة العالمية وخدمات أكثر قربًا من المستفيد، مستندةً إلى بنية رقمية متقدمة أسهمت في تحقيق هذا التقدم الدولي، بدعم غير محدود من القيادة الرشيدة -أيدها الله-، فسجلت المملكة نسب نضج مرتفعة في المؤشرات الدولية، حيث صُنفت ضمن فئة الدول “المتقدمة جدًّا” في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) بنسبة 99.64% على مستوى المؤشر العام، فيما حققت نسبة نضج بلغت 96% في التقييم العام لمؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة (الإسكوا) لعام 2024.
وتؤكد هذه النتائج أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة أو قرارًا مرحليًّا، بل ثمرة مباشرة لبرامج رؤية المملكة 2030 التي أعادت تعريف دور الحكومة من نموذج خدمي تقليدي إلى منصة ذكية، مرنة، ومتكاملة، قائمة على التخطيط، والتنفيذ، وقياس الأثر، حيث حظيت التجربة السعودية بإشادة دولية واسعة، كان آخرها إشادة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارته لمركز الابتكار في هيئة الحكومة الرقمية، حيث أكد أن ما حققته المملكة يمثل نموذجًا رائدًا عالميًّا في مجال الحكومة الرقمية.
وبرزت المؤشرات الوطنية كإحدى أهم أدوات التحسين التي اعتمدت عليها الهيئة خلال عام 2025، ليس بغرض الترتيب أو المقارنة المجردة، بل لتشخيص الواقع وتوجيه التطوير، وأظهرت نتائج المؤشرات تحسنًا تدريجيًّا في نضج الخدمات الرقمية، وتقدمًا في تكامل الأنظمة الحكومية، إضافة إلى تطور ملموس في تجربة المستفيد وسهولة الوصول للخدمات.
وسجلت الجهات الحكومية في مؤشر نضج التجربة الرقمية مستوى متقدمًا بنسبة 86.71%، كما وصلت 26 جهة حكومية إلى مرحلة الإبداع، وارتفع مستوى الجهات في مؤشر قياس التحول الرقمي إلى 88.30%، فيما بلغت نسبة 76.24% في مؤشر كفاءة المحتوى الرقمي، وهو ما شكّل أساسًا عمليًّا لتوجيه الدعم، وبناء خطط تحسين مخصصة، وتحفيز التنافس الإيجابي بين الجهات.
وفي ظل التسارع العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ركزت الهيئة خلال العام 2025 على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التمكين والتبني المنهجي، عبر برامج وورش تدريبية، ومشاركات متخصصة استهدفت رفع جاهزية الجهات الحكومية، ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن القيمة الحقيقية للتقنيات الناشئة لا تتحقق عبر استخدامها التقني فقط، بل من خلال دمجها في تصميم الخدمات، وتحسين اتخاذ القرار، وتقديم خدمات أكثر استباقية وكفاءة للمستفيد.
وشهد عام 2025 توسعًا ملحوظًا في الشراكات والاتفاقيات التي عقدتها الهيئة مع جهات حكومية وتنظيمية، وهدفت هذه الشراكات إلى تعزيز التكامل، ورفع الوعي بالمخاطر السيبرانية، ودعم الابتكار، والحد من الازدواجية، ورفع كفاءة الإنفاق، من خلال توقيع عدد من مذكرات التفاهم مع الجهات الحكومية، والجامعات المحلية والدولية، والشركات العالمية.
ولإبراز تجربة المملكة الرقمية والاستفادة من تجربتها الناجحة، شهدت الهيئة على مستوى قياداتها حراكًا متسارعًا من خلال عقد اللقاءات الثنائية المباشرة أو الافتراضية مع مسؤولي وقيادات التحول الرقمي والمنظمات الدولية، أو المشاركة في الملتقيات الدولية والجلسات الحوارية، إضافة لزيارات بارزة لقيادات التحول الرقمي على الصعيدين الإقليمي والدولي لمقر هيئة الحكومة الرقمية.
وفي إطار تعزيز التكامل الحكومي ودعم التحول الرقمي، زار وفد من هيئة الحكومة الرقمية برئاسة معالي محافظها، منطقتي الحدود الشمالية ونجران، وعقد خلالها لقاءات لبحث سبل تعزيز التكامل بين الجهات الحكومية، وتسليم شهادة رخصة البرمجيات الحكومية الحرة ومفتوحة المصدر لإمارتي المنطقتين، ومناقشة تطوير الخدمات البلدية الرقمية، رفع كفاءة الخدمات وتحسين تجربة المستفيدين.
ولإبراز مسيرة الحكومة الرقمية وإنجازاتها، برزت مشاركة السعودية الرقمية ضمن أعمال مؤتمر (LEAP25)، بمشاركة أكثر من 45 جهة حكومية، شهدت خلالها توقيع أكثر من 27 اتفاقية ومذكرة تفاهم، إلى جانب 30 إعلانًا وإطلاقًا رقميًا، وعقد 20 جلسة حوارية ناقشت مستقبل التحول الرقمي وأفضل الممارسات العالمية، إضافة لجولة السعودية الرقمية في منطقة المدينة المنورة، استعرض من خلالها قصص نجاح الجهات الحكومية، وتعريف المستفيدين بالخدمات الإلكترونية المتاحة، وبناء مجتمع من قادة التحول الرقمي بكفاءة وفعالية، وتوسيع نطاق التواصل مع المستفيدين وأخذ انطباعاتهم.
وتُوّجت جهود الهيئة خلال العام 2025 بعدد من الجوائز المحلية والدولية، التي يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات ثقة خارجية في نضج تجربة المملكة، لا مجرد مظاهر احتفالية، ومن أبرزها: حصول الهيئة على جائزة الأثر المثبت في الأعمال عن دور “كود المنصات” في رفع كفاءة الخدمات الرقمية وتحسين تجربة المستفيد لأكثر من 110 جهات حكومية، إضافة إلى نيلها شهادة المعيار الدولي لنظام إدارة الابتكار، وحصولها على جائزة المحتوى المحلي في نسختها الثالثة، كما حصلت هيئة الحكومة الرقمية على المركز الأول في جائزة جارتنر العالمية على مستوى منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (EMEA) لفئة الجهات الحكومية، وخلال مشاركة الهيئة ضمن فعاليات مؤتمر أبشر 2025 كرم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود وزير الداخلية, معالي محافظ الهيئة المهندس أحمد الصويان بتسليمه درعًا تكريميًا؛ تقديرًا لشراكة الهيئة الفاعلة في إنجاح المؤتمر.
وواصلت هيئة الحكومة الرقمية خلال عام 2025 جهودها في تمكين القيادات والكوادر الحكومية عبر برامج تدريبية وورش عمل متخصصة، كان من أبرزها تخريج الدفعة الأولى من برنامج (نمو)، إلى جانب ورش في الحوسبة السحابية، والتصديق الرقمي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وضمن جهودها لتطوير القدرات والمهارات الرقمية، من خلال برنامج تطوير القدرات الحكومية الرقمية (قدراتك)، حيث جرى تدريب أكثر من 4400 موظف حكومي في 280 جهة حكومية، عبر 270 برنامجًا تدريبيًا متخصصًا، بما أسهم في رفع جاهزية الكوادر الوطنية، وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي الرقمي، ودعم استدامة التحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، إضافة لإطلاق البرنامج الوطني (روّاد السحابة) عبر برنامج (قدراتك)، بالتعاون مع شركات عالمية رائدة؛ بهدف تأهيل الكفاءات الوطنية بمحتوى تدريبي متخصص يواكب التطورات التقنية المتسارعة.
وفي إطار نشر ثقافة الابتكار، أطلقت الحكومة الرقمية نسخة جديدة من تحدي الابتكار 2025، كما دشّنت خلال الربع الأول من العام مركز الابتكار لتمكين الجهات الحكومية من استشراف المستقبل وتبني نماذج الإبداع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.
وفي جانب الإصدارات المعرفية قدمت الهيئة الدليل التعريفي لمنهجية المشتريات الرقمية، وضوابط تصنيف الخدمات الحكومية الرقمية الحساسة ومستويات التحقق، إضاقة لتقرير الإنفاق الحكومي على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات لعام 2024، والذي أظهر ارتفاعًا في قيمة العقود إلى 38 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 18.75%، كذلك أصدرت الهيئة القاموس الإرشادي لمصطلحات الحكومة الرقمية، والدليل الرقمي للجهات الحكومية، وموجزًا رقميًّا بعنوان “الذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان”، ولتحقيق تجربة مستخدم آمنة وموثوقة، وتطبيق منهجية فعّالة لإدارة المخاطر أطلقت هيئة الحكومة الرقمية “الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي”.
وفي سعيها لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي أصدرت الهيئة بالتعاون مع هيوماين “الدليل التعريفي لاستخدام هيوماين تشات”، وهو تطبيق للمحادثة بالذكاء الاصطناعي باللغة العربية ويعدّ ابتكارًا سعوديًّا يضع الذكاء في خدمة الإنسان، ويحافظ على خصوصيته أولًا.
وضمن جهود حوكمة المنصات الرقمية، نجحت الهيئة عبر برنامج الحكومة الشاملة في دمج وإغلاق أكثر من 270 منصة رقمية، بما أسهم في تقديم تجربة رقمية أكثر تكاملًا وسهولة.
كما أطلقت، بالتعاون مع الهيئة العامة للترفيه، (كود المنصات) بهوية اليوم الوطني السعودي الـ 95؛ لتوحيد الحضور الرقمي للجهات الحكومية.
واحتفت هيئة الحكومة الرقمية بجهود ومنجزات الحكومة الرقمية السعودية في النسخة الرابعة من “ملتقى الحكومة الرقمية”، الذي يُعدّ منصة وطنية ودولية لتبادل الخبرات واستعراض قصص النجاح في مجال التحول الرقمي، إضافة لتكريم الفائزين بجائزة الحكومة الرقمية لعام 2025 في فئاتها الـ 7، كما تضمن الملتقي الاحتفاء بالجهات المتميزة في مجالات البنية المؤسسية الوطنية، والبرمجيات مفتوحة المصدر، والنضج المالي الرقمي، إضافة إلى تسليم شهادات اعتماد البنية المؤسسية الوطنية (NORA).
وإجمالًا يمكن النظر إلى مسيرة الحكومة الرقمية خلال عام 2025 بوصفه عامًا مفصليًّا في مسيرة الحكومة الرقمية، انتقلت فيه الجهود من بناء الممكنات إلى تعظيم الأثر، مع تركيز متزايد على جودة التطبيق، واستدامة التحول، وربط الجهد الرقمي بتحسين حياة المستفيد، في مسار يتسق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجًا في العمل الحكومي الرقمي.




