عمارة عسير .. جماليات شاهقة تشهد على مهارات البنّائين وتكيّفهم مع البيئة
أبها – واس:
في أجواء الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة بداية أكتوبر من كل عام تستحضر منطقة عسير جانبًا من تجربتها العمرانية التي جعلت من الجبل مادة للبناء، ومن تضاريسه أساسًا للتشكيل، ومن موارده المحلية عناصر للجمال، في مشهد يكشف خبرة معمارية متوارثة استطاعت منذ قرون أن توائم بين متطلبات السكن والحماية والتخزين وبين الظروف المناخية والجغرافية للمنطقة.
وتبرز العمارة التقليدية في عسير بوصفها إحدى صور التفاعل العميق بين الإنسان وبيئته، فالمباني الحجرية والطينية تتدرج على السفوح، وبعضها يرتفع إلى عدة طوابق، فيما تتشكل واجهاتها من الحجر والمَرو والخشب، لتقدم نموذجًا عمرانيًّا لم تكن فيه الوظيفة منفصلة عن الجمال، ولا البناء منفصلًا عن طبيعة المكان.
وتوضح خريطة العمارة السعودية أن منطقة عسير تضم أنماطًا معمارية متعددة، من بينها عمارة مرتفعات أبها، وعمارة جبال السروات، وعمارة أصدار عسير، وعمارة سفوح تهامة، وعمارة ساحل تهامة؛ وهو تنوع يعكس اختلاف التضاريس والموارد والظروف المناخية من جزء إلى آخر.
ومن أبرز سمات العمارة العسيرية التقليدية نزعتها إلى الارتفاع، إذ استغل البناؤون المساحات المحدودة في البيئات الجبلية واتجهوا إلى البناء الرأسي، فظهرت مبانٍ متعددة الطوابق بدت في بعض القرى امتدادًا طبيعيًّا للجبال التي شُيدت عليها.
وتعد بلدة “رُجال” بمحافظة رجال ألمع من أبرز النماذج العمرانية القديمة، إذ تشير المصادر التراثية إلى مبانٍ يزيد عمر بعضها على ثلاثة قرون، شُيدت من الحجر والطين والخشب، وبلغ ارتفاع بعض مبانيها ثمانية طوابق، فيما تظهر في القرية حصون ومبانٍ متعددة الأدوار ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية.
ولم يكن الارتفاع مجرد خيار جمالي، بل ارتبط بطبيعة الأرض الجبلية وبالحاجة إلى استثمار المساحات المتاحة، إلى جانب الوظائف الدفاعية ومراقبة الممرات والطرق، وتخصيص أجزاء من المبنى للسكن وأخرى لتخزين المؤن والمحاصيل.
وتتجلى هذه الوظائف كذلك في القصبات التي شكلت عنصرًا بارزًا في المشهد العمراني العسيري، إذ أقيمت في مواقع مرتفعة لمراقبة الطرق ومداخل القرى، واستُخدمت بعض نماذجها لحفظ الحبوب والمؤن، فيما زود بعضها بفتحات صغيرة للمراقبة والدفاع.
وفي أجزاء مختلفة من المنطقة، ولا سيما أصدار عسير، تظهر الأبراج الحجرية المرتفعة ذات الهيئة الحصينة، ويصل بعضها إلى ستة طوابق، بينما تتجاوز بعض المنشآت التراثية ارتفاع 20 مترًا، بما يعكس مهارة البنّاء المحلي في التعامل مع البناء الرأسي فوق التضاريس الوعرة.
واستفاد البناؤون من المواد المتوافرة في البيئة، فكان الحجر أحد أهم عناصر البناء في مناطق السراة ورجال ألمع، إلى جانب الطين المستخدم في الجدران وبعض العناصر الإنشائية، وأدى الخشب أدوارًا إنشائية وزخرفية، خصوصًا في الأسقف والأبواب والنوافذ.
وتشير دراسة عن “العمارة التقليدية في عسير” للدكتور علي مرزوق إلى أن توظيف هذه المواد لم يكن نتيجة توفرها فحسب، وإنما جاء ثمرة معرفة متراكمة بخصائصها وكيفية استخدامها بما يتلاءم مع المناخ والتضاريس وطبيعة المنشأة.
ومن الحلول المحلية اللافتة في هذا المجال تقنية “الرقف”، التي تعتمد على بروز أجزاء حجرية من الجدار لحماية الأسطح الطينية من مياه الأمطار، وهي معالجة إنشائية تحولت في الوقت نفسه إلى عنصر جمالي يضفي على الواجهات إيقاعًا هندسيًا متكررًا.
وتظهر القيمة الجمالية للمواد المحلية بصورة أكثر وضوحًا في استخدام “المَرو”، وهو حجر أبيض لامع يجمع من المناطق الجبلية، ثم يكسر إلى قطع صغيرة ويستخدم في تزيين الواجهات، خصوصًا حول الأبواب والنوافذ وفي الأجزاء العليا من المباني.
وتشكل قطع المَرو تكوينات هندسية متنوعة، من المثلثات والمربعات إلى الخطوط الرأسية والأفقية، فتبرز على خلفية الحجر الداكن وتمنح الواجهات تباينًا لونيًا واضحًا، يحول الجدار من عنصر إنشائي إلى مساحة للتعبير الفني.
وتكشف المصطلحات المحلية المرتبطة بالبناء عن منظومة مهنية متكاملة عرفتها عسير قديمًا، إذ كان “الباني” يتولى مهمة معلم البناء والمسؤول عن المقاسات وتوجيه العمل، فيما يساعده عدد من العمال، ومن بينهم “الشُقاة”، بينما يتولى “المنظي” جلب الحجارة وتكسيرها وتهذيبها، ويقوم “الكاحل” بملء الفراغات بين الأحجار الكبيرة بالأحجار الصغيرة.
وتبدأ عملية البناء باختيار الموقع وإعداد الأساسات، أو ما يعرف محليًا بـ”الربض”، ثم ترتفع الجدران تدريجيًا وفق مقاييس وخبرة متوارثة، قبل تنفيذ النوافذ والعناصر الزخرفية والتفاصيل النهائية.
وتقدم هذه المصطلحات صورة عن مهنة البناء بوصفها معرفة تخصصية متكاملة، انتقلت من جيل إلى آخر بالممارسة والتدريب، وراكمت حلولًا تتناسب مع طبيعة الأرض والمواد المحلية.
ولم يقتصر الإبداع على الحجر والطين، إذ أسهمت النجارة التقليدية في إكمال هوية المبنى من خلال الأبواب والنوافذ والأسقف، واستخدم الحرفيون الأخشاب المحلية، ومن بينها خشب الطلح، في صناعة أبواب زينت بتكوينات هندسية ونباتية، استندت إلى تقسيمات زخرفية متوارثة تتقاطع مع جماليات الفن الإسلامي.
وامتد حضور الفن إلى داخل البيوت من خلال فن القط العسيري، الذي ارتبط بتزيين الجدران والفراغات الداخلية، وشاركت النساء في إنتاجه مستخدمات تشكيلات هندسية وألوانًا متناسقة أصبحت جزءًا من الهوية البصرية للمنطقة، وأدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2017.
وتتجاوز العمارة التقليدية في عسير الجانب الإنشائي إلى كونها سجلًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة، فالبيت والبرج والقصبة ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية، فيما حملت عناصر الزخرفة والحرف اليدوية ذاكرة المجتمع وذائقته.
وتقدم هذه التجربة العمرانية نموذجًا واضحًا لقدرة المعرفة المحلية على تحقيق التكيف مع البيئة؛ فاختيار الموقع، ومواد البناء، وارتفاعات المباني، وحلول مواجهة الأمطار، وتقنيات تثبيت الأحجار، وتوزيع الوظائف داخل المبنى، كلها جاءت استجابة لظروف المكان واحتياجات السكان.
وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة، تكتسب هذه التجربة أهمية تتجاوز بعدها التراثي، إذ تكشف مبادئ لا تزال حاضرة في النقاش المعاصر حول العمارة المستدامة، من الاستفادة من المواد المحلية، وفهم المناخ، والتكيف مع التضاريس، إلى تقليل الفجوة بين الوظيفة والجمال.
ومن سفوح السروات إلى قرى رجال ألمع وأصدار عسير، تظل هذه المباني صفحات حية من تاريخ المكان، حفظت خبرات البنائين والحرفيين المحليين، وأثبتت أن العمارة حين تنطلق من فهم البيئة واحترام مواردها يمكن أن تتجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح ذاكرة بصرية وهوية ثقافية وحضارية متجددة لمنطقة عسير.