ثقافة

عمارة منطقة جازان .. هويةٌ واحدة بأربع لغات معمارية

جيزان – واس:
تمثّل العمارة في منطقة جازان سجلًا عمرانيًّا يعكس تنوع بيئاتها وخصوصية البناء فيها؛ إذ تشكّلت ملامحها عبر خبرات تراكمت في التعامل مع المناخ والتضاريس ومواد البيئة، وأنتجت حلولًا اختلفت باختلاف المكان، لتقدم اليوم نموذجًا لانتقال المعرفة المحلية من إرث تحفظه المباني القديمة إلى موجهات تستفيد منها مشروعات الحاضر.
ويتشكّل هذا التنوع بين ساحل البحر الأحمر وسهول تهامة والسفوح وجبال السروات وجزر فرسان؛ إذ تتبدل ملامح البناء بتبدل الجغرافيا، وتتوزع على أربعة أنماط رئيسة، هي: “عمارة ساحل تهامة”، و”عمارة سفوح تهامة”، و”عمارة جبال السروات”، و”عمارة جزر فرسان”؛ لكل منها خصائص معمارية تعكس طبيعة بيئتها، وتمنح المشهد العمراني في منطقة جازان تنوعه وخصوصيته.
فعلى امتداد السهول الساحلية، تشكّلت “عمارة ساحل تهامة” في بيئة تأثرت بمناخ البحر الأحمر، وبرزت فيها مبانٍ منخفضة الارتفاع، تنوعت بين مساكن القصب والأكواخ الطينية والمنازل الحجرية، فيما استُخدمت مواد محلية شملت الحجر والطين والشعاب المرجانية، وظهرت النوافذ الواسعة ذات الأقواس العريضة بوصفها أحد الحلول التي تسمح بمرور نسيم البحر.
وعند السفوح، تتغير معادلة البناء مع الانتقال من السهل إلى المرتفعات؛ إذ تجمع “عمارة سفوح تهامة” بين مؤثرات البيئتين الساحلية والجبلية، ويبرز فيها الحجر والجص المحلي، والأسقف المستوية والفتحات الصغيرة، وتتقارب المساكن ضمن تجمعات تتخللها أزقة ضيقة وساحات داخلية، بما يعكس استجابةً لطبيعة التضاريس والمناخ.
وفي جبال السروات تصبح التضاريس عنصرًا رئيسًا في تكوين المبنى؛ إذ تتسم العمارة التقليدية بمبانٍ متضامة وهياكل حجرية، وتستخدم أحجارًا محلية تتدرج ألوانها بين الأسود والبني والرمادي والأبيض، مع فتحات صغيرة، وواجهات تضم أعمدة خشبية منحوتة وسلالم خارجية وزخارف حجرية هندسية، بما يجسد خبرةً في مواءمة البناء مع طبيعة المرتفعات.
وعلى جزر فرسان تأخذ العمارة شخصية مختلفة فرضتها البيئة البحرية؛ إذ استُخدم الحجر المرجاني والجص المحلي والحجر الطبيعي في تشييد المباني، وظهرت الزخارف المنقوشة والأنماط الهندسية الجصية، فيما أسهمت النوافذ الكبيرة والأفنية في الاستفادة من نسيم البحر وتحسين الراحة الحرارية.
ولا تكمن قيمة هذه الأنماط في أشكال المباني وحدها؛ بل في المعرفة التي تقف خلفها؛ فالنافذة تتسع لاستقبال نسيم البحر على الساحل وفرسان، وتصغر في مباني الجبال، فيما تتغير مواد البناء وتفاصيله باختلاف التضاريس، لتكشف العمارة عن استجابة عملية للبيئة.
واليوم، تنتقل هذه المعرفة إلى التصميم الحديث؛ إذ تعمل أمانة منطقة جازان، من خلال وحدة العمارة السعودية، على تطبيق موجهات الأنماط الأربعة عبر ثلاثة اتجاهات تصميمية، هي: “التقليدي”، و”الانتقالي”، و”المعاصر”، بما يتيح استلهام خصائصها وتطويرها وفق احتياجات المشروعات الجديدة.
وتأتي هذه الموجهات ضمن “العمارة السعودية”، التي تضم (19) طرازًا معماريًا مستمدًا من الخصائص الجغرافية والعمرانية والثقافية والمناخية لمناطق المملكة، وتربط أساليب البناء المتوارثة بالتصميم المعاصر.
وفي منطقة جازان انتقل هذا التوجه إلى التطبيق؛ إذ أصدرت أمانة المنطقة، خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026م، (486) رخصة بناء وفق اشتراطات الهوية العمرانية السعودية، لتصبح عناصر العمارة المحلية جزءًا من حركة البناء الجديدة.
وأوضح المتحدث الرسمي لأمانة منطقة جازان، الدكتور إبراهيم الخياط، أن تطبيق الهوية العمرانية يستهدف تحسين المشهد الحضري، ورفع جودة التصاميم والواجهات، والاستفادة من عناصر البناء المحلية في المشروعات الحديثة، بما ينسجم مع الخصائص الثقافية والبيئية للمنطقة ومتطلبات التطوير.
وتكشف هذه التحولات عن مرحلة جديدة في المشهد العمراني بمنطقة جازان، تستند فيها حركة البناء إلى مرجعيات المكان وذاكرته المعمارية، بما يمنح المشروعات القادمة شخصيةً أكثر ارتباطًا بمحيطها، ويتيح للموروث الاستمرار بلغة معمارية تنتمي إلى عصرها.

زر الذهاب إلى الأعلى