“التابلاين”.. شريان النفط الذي أسهم في نمو المجتمعات والمدن

رفحاء – واس :
يُعدّ خط الأنابيب العابر لشبه الجزيرة العربية، “التابلاين”، -الممتد عبر شمال صحراء المملكة-، أحد أبرز المشروعات الهندسية والاقتصادية في تاريخ شركة خط أنابيب شبه الجزيرة العربية، إذ شكّل لعقود طويلة شريانًا إستراتيجيًا لنقل النفط الخام من حقل بقيق في المنطقة الشرقية، إلى ميناء صيدا على البحر الأبيض المتوسط في لبنان، مرورًا بالأردن وسوريا.
وقد أسهم هذا الخط في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها لاعبًا رئيسًا في أسواق الطاقة العالمية، كما نشأت عدد من المدن والمحافظات على امتداد مساره شمال المملكة.
الفكرة والتنفيذ
تعود فكرة المشروع إلى عام 1944م، حين أسّست أرامكو السعودية شركة خط أنابيب شبه الجزيرة العربية بوصفها مشروعًا مشتركًا مع كبرى شركات النفط العالمية، وانطلقت أعمال البناء الفعلية عام 1947م، لتكتمل بتاريخ 25 سبتمبر 1950م حين لُحِمت آخر وصلة في الخط، معلنةً انتهاء مرحلة البناء وبداية التشغيل الرسمي، وحين دخل الخط الخدمة، كان يُعدّ أحد أكبر وأطول أنظمة نقل النفط في العالم.
وامتدّ “التابلاين” لمسافة 1,648 كيلومترًا، مجهّزًا بست محطات رئيسة للضخ: خمسٌ منها على الأراضي السعودية، في النعيرية، والقيصومة، ورفحاء، وبدانة، وطريف، وواحدة في الأراضي الأردنية، وقد صُمِّمت هذه المحطات لدفع النفط حتى يبلغ أعلى نقطة ارتفاع في مساره البالغة 907 أمتار فوق مستوى سطح البحر عند الحدود السعودية الأردنية، ثم يتدفق بعدها تدريجيًا نحو الساحل اللبناني.
واستلزم تنفيذ المشروع الضخم أكثر من 35,000 طن من أنابيب الصلب، ونحو 16,000 من الأيدي العاملة، بتكلفة إجمالية وصلت نحو 230 مليون دولار أمريكي، جعلت منه واحدًا من أضخم مشاريع البناء الممولة من القطاع الخاص في ذلك العصر.
وفي عام 1951م، -وهي أول سنة تشغيل كاملة للخط-، بلغ إنتاج أرامكو السعودية 278 مليون برميل، عبر أكثرها من “التابلاين”، ليكون بذلك ركيزةً مهمة في منظومة التصدير النفطي للمملكة، وعاملًا في تلبية الطلب المتصاعد على الطاقة.
وبينما كانت رحلة ناقلات النفط من الخليج العربي إلى المتوسط عبر قناة السويس تستغرق أكثر من تسعة أيام، جاء “التابلاين” ليساعد في تقليل هذه المسافة الزمنية وخفض تكاليف النقل.
تنمية عمرانية واجتماعية
لم يقتصر أثر “التابلاين” على الجانبين الاقتصادي والصناعي، بل تجاوزهما إلى التنمية العمرانية والاجتماعية في عمق الصحراء السعودية، حيث نشأت حول محطات الضخ تجمعات سكانية جديدة تضمّنت في بداياتها مساكن ومدارس وقاعات طعام للعاملين وعائلاتهم، ثم اتّسعت بحلول منتصف الستينيات لتشمل المساجد والمحال التجارية والمرافق الترفيهية والمسارح والملاعب، وأصبحت مجتمعةً موطنًا لآلاف السكان.
وشكّل المشروع نقطة تنموية في شمال المملكة، حيث أسهم في استحداث طرق النقل والاتصالات والخدمات اللوجستية، واستقطب الكفاءات والأيدي العاملة.
ومع ظهور ناقلات النفط العملاقة التي تحمل 500,000 طن وتفوّقها على نقل النفط بالأنابيب عبر الحدود، توقّف الضخ عبر الخط تدريجيًا؛ حيث توقّف ضخ النفط إلى لبنان عام 1976م، ثم توقّف الخط بصورة شبه كاملة عام 1983م، وانتهت عمليات النقل نهائيًا عام 1990م إبّان أزمة الخليج، وفي عام 2001م أُفرغ الخط بالكامل من النفط المتبقي إيذانًا بانتهاء دوره التشغيلي.
نحو اليونسكو
بعد عقود من حضوره الاقتصادي والتنموي، وتحوّل “التابلاين” إلى شاهد على تاريخ الصناعة والطاقة في المملكة، سجلت هيئة التراث في ديسمبر 2020م خط أنابيب النفط القديم “التابلاين” في سجل التراث الصناعي الوطني ليكون أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسميًا في المملكة، تقديرًا لأهميته التاريخية ولدلالاته التنموية والاقتصادية المرتبطة بمرحلة بدايات صناعة النفط.
ويظلّ “التابلاين” أكثر من مجرد خط أنابيب؛ فهو سجل مفتوح يروي قصة مشروع هندسي شقّ طريقه عبر الصحارى لمسافة 1,648 كيلومترًا، وربط موارد الطاقة، وأسهم في تكوين مجتمعات وبناء نهضة عمرانية في قلب الصحراء، تاركًا إرثًا اقتصاديًا وتنمويًا وصناعيًا لا تزال آثاره حاضرة في مدن الشمال السعودي حتى اليوم.