القانون قبل النزاع .. أمانٌ للمشروع ونجاةٌ من الصراع

بقلم – ياسر فريد :
قد يملك المشروع فكرة واعدة وتمويلاً كافياً، ومع ذلك يجد نفسه أمام نزاع يهدد ما بناه خلال سنوات؛ لأن الشركاء لم يتفقوا على آلية التخارج، أو لأن ملكية أصل جوهري للمشروع لم تُنظَّم بوضوح، أو لأن أموال الشركة اختلطت بالأموال الشخصية لأصحابها.
في مثل هذه الحالات، لا تبدأ المشكلة عند وصولها إلى المحكمة، بل قبل ذلك بوقت طويل، من هنا جاءت أهمية ندوة «القانون كأداة لتمكين رجال الأعمال»، التي نظمتها غرفة الشرقية بمناسبة اليوم العالمي للقانون، وقدمها الدكتور عبد الوهاب بن عبد اللطيف الصالح. فقد عرضت قواعد عملية لتنظيم الشراكات، وتوثيق الحقوق، وحماية أصول المنشأة، وإدارة المخاطر، والتعامل المبكر مع التعثر المالي، وهي موضوعات قد تبدو متفرقة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: أن القرارات التي تصنع مستقبل المشروع تُتخذ غالباً قبل نشوء أي نزاع.
وفي تقديري، فإن التحدي لا يكمن دائماً في غياب المعرفة بالقانون، بل في توقيت الاستعانة به. فقد يُطلب الرأي القانوني بعد توقيع العقد، أو انتقال الأموال، أو اتخاذ قرار يصعب الرجوع عنه. وعندها تضيق مساحة الحلول، ويصبح دور القانون معالجة آثار القرار، بينما كان بوسعه أن يساعد في صياغته منذ البداية.
والاستعانة المبكرة بالرأي القانوني لا تعني إبطاء الأعمال أو إخضاع كل خطوة لإجراءات معقدة، كما قد يظن بعض رواد الأعمال. معناها أن يعرف صاحب القرار، قبل أن يلتزم، حقوق الأطراف ومسؤولياتهم، وما الذي سيحدث إذا تعثرت الشراكة أو تغيرت الظروف. فوضوح الصلاحيات، وتوثيق الاتفاقات، وتنظيم ملكية الأصول، أمور تمنح الإدارة قدرة أكبر على التصرف بثقة حين تواجه اختباراً حقيقياً.
وتظهر هذه الوقاية في أسئلة عملية تسبق القرار: من يملك صلاحية توقيع العقد؟ وما حدود الالتزام الذي تتحمله الشركة؟ وكيف تُوثَّق موافقة الشركاء أو الإدارة؟ ومن يتابع تنفيذ ما اتُّفق عليه؟ قد تبدو هذه الأسئلة إجرائية، لكن إغفالها قد يحول اتفاقاً بدا واضحاً لأصحابه إلى مصدر لخلاف لاحق.
وتزداد أهمية هذا التنظيم كلما توسع المشروع وتعددت علاقاته؛ فقد تستخدم المنشأة أصلاً مهماً دون أن تكون ملكيته أو شروط استخدامها له واضحة بما يكفي. وقد لا تظهر آثار هذا الغموض إلا عند طلب تمويل، أو دخول شريك، أو تغير الإدارة. لذلك فإن توضيح حقوق المنشأة في الأصول التي تستخدمها يحمي قيمة المشروع ويجنب الأطراف خلافات كان يمكن تفاديها.
لهذا أرى أن مسؤولية الوقاية القانونية لا تقع على المحامي وحده. إنها تبدأ من إدراك رائد الأعمال والإدارة أن السؤال القانوني ينبغي أن يُطرح قبل القرار، وأن الإجابة عنه جزء من تقدير الجدوى والمخاطر، شأنه شأن السؤال المالي والتشغيلي.
وتُحسب للدكتور الصالح إثارته هذا الموضوع وطرحه بلغة عملية قريبة من احتياجات قطاع الأعمال، كما تُحسب لغرفة الشرقية مبادرتها إلى تنظيم الندوة. فالمال يمنح المشروع فرصة الانطلاق، أما حسن تنظيم علاقاته وحقوقه والتزاماته فيساعده على حماية ما بناه، ومواجهة ما قد يعترضه، والاستمرار بثبات.