من الرقة إلى باب المندب
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 سبتمبر، تغيّر الإرهاب: من ضرب الرموز واحتلال الأرض إلى تهديد شرايين الاقتصاد العالمي

بقلم: د. أربن رامكاي :
في صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001، عندما اصطدمت الطائرات المختطفة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، دخل الإرهاب الدولي مرحلة جديدة. لم تكن القاعدة تريد احتلال أرض أمريكية، بل استهدفت رموز القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، ومن خلالها ثقة العالم الحر بنفسه.
في ساعات قليلة، أدرك العالم أن تنظيماً لا يملك دولة ولا جيشاً تقليدياً ولا أرضاً ذات سيادة، يمكنه أن يستخدم أدوات العالم الحديث نفسها سلاحاً ضده.
بعد خمسة وعشرين عاماً، ونحن نستذكر ضحايا ذلك اليوم، لم يعد السؤال فقط: هل أصبح العالم أكثر أمناً؟ بل أيضاً: ماذا تعلّم الإرهاب خلال ربع قرن؟
أثبتت القاعدة أن شبكة إرهابية تستطيع ضرب قلب قوة عظمى. وأظهر تنظيم داعش أن التطرف قادر على احتلال الأرض والسيطرة على السكان ومحاولة بناء كيان يشبه الدولة.
أما ما يحدث اليوم بين اليمن والقرن الأفريقي وباب المندب، فيكشف عن مرحلة أخرى: قد لا تحتاج التنظيمات المتطرفة إلى احتلال عاصمة أو إسقاط دولة. قد يكفيها تهديد الممرات التي يتحرك عبرها الاقتصاد العالمي.
حين جعل داعش من الرقة عاصمته الفعلية، جاء آلاف المقاتلين من عشرات الدول إلى سوريا والعراق. وسيطر التنظيم على مدن وحقول نفط ومعابر حدودية وممرات استراتيجية.
وعندما سقطت «الخلافة» الإقليمية، اعتقد كثيرون أن فصلاً من الإرهاب الدولي قد انتهى. لكن الذي انتهى ربما كان شكلاً واحداً فقط من أشكاله.
التاريخ يعلمنا أيضاً أن العقيدة لا تنتصر دائماً على المصلحة. فقد بدأت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا بصراع ذي بعد ديني قوي، ثم تحولت إلى صراع على النفوذ والأرض وتوازن القوى. ووصل الأمر إلى أن تدعم فرنسا الكاثوليكية في عهد ريشيليو قوى بروتستانتية ضد آل هابسبورغ الكاثوليك.
ليست المقارنة مع واقعنا اليوم مباشرة، لكن الدرس واضح: المصلحة الاستراتيجية قد تتجاوز حتى الانقسامات الدينية العميقة.
وهنا نصل إلى حالة يصعب تجاهلها.
قبل سنوات قليلة، كان من الصعب بالنسبة إليّ أن أتخيل وجود تعاون بين حركة الحوثيين المتطرفة في اليمن وحركة الشباب المتطرفة في الصومال. فهما تنتميان إلى بيئتين عقائديتين مختلفتين، بل متعارضتين في جوانب أساسية.
لكن هذا التعاون حدث، وتشير المعطيات إلى أنه مستمر.
تقارير خبراء الأمم المتحدة تشير إلى ذلك، كما أن تقارير ومعلومات استخباراتية دولية تحدثت عن اتصالات وتعاون ذي طبيعة عملية وانتهازية بين الطرفين، بما في ذلك نقل أسلحة وخبرات من اليمن باتجاه حركة الشباب.
هذا لا يعني وجود تحالف عقائدي، ولا قيادة مشتركة، ولا أن الحوثيين أصبحوا جزءاً من القاعدة.
لكن الأمر الأخطر هو أنهم لا يحتاجون إلى ذلك.
فالتعاون العملياتي لا يتطلب بالضرورة اتفاقاً أيديولوجياً.
يمتلك الحوثيون خبرة متراكمة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة ضد الأهداف البحرية، وهي قدرات تطورت أيضاً بفعل الدعم التكنولوجي والعسكري الإيراني.
وفي الجانب الآخر، تمتلك حركة الشباب شبكات وتمويلاً وحضوراً ميدانياً واسعاً في القرن الأفريقي، وتُقدّر مصادر مرتبطة بالأمم المتحدة إيراداتها السنوية بنحو 100 إلى 200 مليون دولار.
إذا انتقلت الخبرة التقنية من بيئة متطرفة إلى أخرى، فإن طبيعة الخطر تتغير.
يمكن مصادرة السلاح، ويمكن تدمير الصاروخ، لكن المعرفة، عندما تنتقل، يمكن إعادة إنتاجها.
من الرقة إلى باب المندب
باب المندب، أو «بوابة الدموع»، يقع بين اليمن والقرن الأفريقي، ويربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وفي الربع الثاني من عام 2026، ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر هذا الممر في المتوسط نحو 8.1 ملايين برميل يومياً من النفط وغيره من السوائل البترولية.
احتاج داعش إلى احتلال الموصل والرقة كي يُظهر قوته.
أما لتهديد باب المندب، فلا ضرورة لاحتلال مدينة كبرى.
يكفي أن تصبح الملاحة غير آمنة.
عندها ترتفع تكاليف التأمين، وتتغير مسارات السفن، وتضطر شركات الشحن إلى اختيار طرق أطول وأكثر تكلفة.
وهنا تكمن إحدى أخطر سمات التهديد الجديد:
في الاقتصاد العالمي الحديث، لا يحتاج الشريان إلى أن يُغلق كي يتحول إلى سلاح؛ يكفي أن يفقد أمنه.
ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما نضع باب المندب ومضيق هرمز على الخريطة نفسها.
إذا تعرض الممران في الوقت نفسه لضغط أمني مستمر، فلن يكون من الضروري إغلاقهما بالكامل لإحداث أزمة عالمية.
يكفي أن تفقد الأسواق الثقة بأمن الملاحة.
الخطر يتحول إلى تأمين، والتأمين إلى تكلفة نقل، وتكلفة النقل إلى ارتفاع في الأسعار. وفي النهاية يدفع المواطن، على بعد آلاف الكيلومترات من الحرب، ثمن صراع لم يشارك فيه.
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 سبتمبر، هذا هو التحدي الجديد أمام العالم الحر.
لقد تعلّم العالم كيف يلاحق شبكات القاعدة، ثم اضطر إلى محاربة «الدولة» التي حاول داعش إقامتها.
أما اليوم، فعليه أن يستعد لمواجهة تهديد قد لا يحتاج إلى دولة أو عاصمة أو حدود.
قد يحتاج فقط إلى القدرة على تهديد مضيق بحري أو ميناء أو ممر للطاقة.
في 11 سبتمبر 2001، ضرب الإرهاب برجين كانا يرمزان إلى قوة الاقتصاد العالمي.
بعد ربع قرن، قد لا يحتاج إلى هدف بهذه الضخامة.
من برجي مركز التجارة العالمي إلى الرقة، ومن الرقة إلى باب المندب، تغيّر أسلوب التطرف: في البداية ضرب الرمز، ثم سعى إلى الأرض، واليوم قد يستهدف حركة الاقتصاد العالمي نفسها.
والخطر ليس أن يتحول الحوثيون إلى حركة الشباب، أو أن تتبنى حركة الشباب عقيدة الحوثيين.
الخطر الحقيقي هو أن يكتشف الطرفان أنهما لا يحتاجان إلى الاتفاق على العقيدة لكي يتعاونا في استخدام الإرهاب ضد العالم الحر.