دراسة تستعرض الأبعاد الاقتصادية للسياسة الوطنية للغة العربية ودورها في تعزيز الاقتصاد المعرفي

الرياض – واس :
استعرضت ورقة علمية بعنوان “اللغة والاقتصاد في ضوء السياسة الوطنية للغة العربية” قدمها عضو مجلس الشورى، أستاذ المحاسبة والمراجعة بكلية الأعمال الدكتور محمد بن عبدالله آل عباس، خلال الجلسة الثانية من أعمال مناقشة الآثار المتوقعة للسياسة الوطنية للغة العربية، العلاقة بين اللغة والتنمية الاقتصادية، ودور اللغة العربية في دعم الاقتصاد المعرفي، وتعزيز الإنتاجية والابتكار.
جاء ذلك خلال الملتقى التنسيقي الخامس للمؤسسات السعودية المعنية باللغة العربية، الذي يستمر يومين، بتنظيم من مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية, ويحمل عنوان “السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية: من الإطار التنظيمي إلى التفعيل المؤسسي”.
وتناولت الورقة اللغة من منظور اقتصادي، مستندة إلى مؤشر إنتاجية العامل المقيس بإجمالي الناتج المحلي لكل ساعة عمل، وفق بيانات «Our World in Dat»، موضحة أن المؤشر في المملكة ارتفع من (68.95) عام 2005م إلى (108.93) عام 2012م قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى (59.88) عام 2023م، في حين حافظت اقتصادات أخرى على مسارات صاعدة أو مستقرة خلال الفترة نفسها؛ إذ ارتفع المؤشر في الولايات المتحدة من (66.79) إلى (83.5)، وفي سنغافورة من (49.96) إلى (65.92)، وفي بريطانيا من (66.20) إلى (68.02).
واستعرضت الورقة عددًا من النماذج الاقتصادية المفسرة للنمو، بدءًا من نموذج النمو النابع من الخارج “سولو-سوان”، الذي يربط الإنتاج برأس المال المادي والعمل، وصولًا إلى نماذج النمو النابع من الداخل التي ركزت على رأس المال البشري وتراكم المعرفة، مشيرة إلى إسهامات عدد من الاقتصاديين في تفسير العلاقة بين التعليم والمعرفة والتقدم التقني، وإنتاجية العامل.
وأوضحت الورقة أن اللغة تمثل أداةً أساسية في عملية التنمية، وأن حسن استخدامها ورفع كفاءتها يسهمان في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، مشيرة إلى دراسة للبنك الدولي شملت أكثر من 60 دولة وأكثر من 60 ألف جهة، خلصت إلى أن تعزيز النمو في الدول النامية يرتبط برفع مستوى المعرفة لدى أفراد المجتمع، وأن اللغة الأم تمثل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق ذلك.
وفي المقابل، تناولت الورقة أثر التنمية الاقتصادية في اللغات المحلية، مبينة أن نحو (90%) من لغات العالم التي يزيد عددها على 6000 لغة، مهددة بالانقراض، وأن من بين العوامل المؤثرة في ذلك التحولات الاقتصادية التي تفرض الحاجة إلى وسائل تواصل مشتركة نتيجة التخصص والتجارة، بما قد يؤدي إلى تراجع استخدام بعض اللغات المحلية.
وأبرزت الورقة اللغة بوصفها أحد أشكال رأس المال البشري، مستشهدة بدراسات اقتصادية قدرت إسهام المهارات اللغوية في الناتج المحلي الإجمالي بنحو (4%) في كندا الثنائية اللغة، وما بين (9%) و(10%) في سويسرا المتعددة اللغات، إلى جانب دراسة أظهرت ارتفاع دخول المتقنين للألمانية الفصحى في سويسرا الناطقة بالفرنسية مقارنة بغير المتقنين لها، مع ثبات مستويات التعليم والخبرة.
وناقشت البعد الرمزي للغة في بيئة الأعمال، موضحة أن هيمنة لغة معينة في الممارسات التجارية قد تتجاوز الجانب الاتصالي إلى التأثير في تشكيل المفاهيم والرؤى والممارسات داخل المؤسسات، مستشهدة بدراسة تناولت مشروعًا بريطانيًا إيطاليًا مشتركًا، وحلّت فيه مصطلحات إنجليزية خاصة بالأدوار التنظيمية محل نظيراتها الإيطالية، بما أدى إلى تراجع بعض المعاني والممارسات المحلية.
وفي مجال الابتكار، بينت الورقة أن اللغة الأم تؤدي دورًا محوريًا في عمليات التفكير والابتكار، مستندة إلى مقارنات شملت الصين والبرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا، حيث برز استخدام اللغة الأم بوصفها اللغة المهيمنة في عمليات التفكير والإبداع.
وربطت الورقة نتائجها بمبادئ السياسة الوطنية للغة العربية بما يتعلق برسمية اللغة العربية، وتعزيز حضورها في المشهد اللغوي، وترسيخ استخدامها في مجال الأعمال، وتفعيل منافذ الاستثمار اللغوي، ودعم المبادرات اللغوية ذات المردود الاقتصادي.
وخلصت إلى أن تعزيز حضور اللغة العربية في التعليم والأعمال والاقتصاد والابتكار لا يقتصر على البعد الثقافي والاتصالي، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية، بما يعزز بناء اقتصاد معرفي قادر على توظيف المعرفة والمهارات اللغوية في رفع الإنتاجية، ودعم الابتكار والنمو.