سهو الهدباء.. رائد كشفـي ترجل بعد مسيرة عطاء خالد
بقلم – دكتور جاسم الياقوت :
نائب رئيس إتحاد الإعلاميين العرب
رحل عنا اليوم القائد الكشفي سهو بن عيد الهدباء، أحد رواد الحركة الكشفية المخلصين، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل التربوي والتطوعي، ترك خلالها أثرًا عميقًا في نفوس كل من عرفه وعمل معه، وأسهم في بناء أجيال من الكشافة الذين يحملون قيم الانتماء والعطاء.
يزخر الوطن بالعديد من القيادات الملهمة التي تركت بصمات راسخة في مجالاتها، وأسهمت في صناعة الفارق داخل المؤسسات التي عملت بها، وكان لها أثر عميق في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. ومن بين تلك القامات التربوية والكشفية، يبرز اسم القائد الكشفي سهو بن عيد بن ناصر الهدباء – رحمه الله – الذي غيّبه الموت اليوم، بعد رحلة حافلة بالعطاء والعمل المخلص في خدمة الحركة الكشفية بالمملكة.
لقد كان الفقيد – قبل تقاعده – أحد منسوبي الأسرة الكشفية بالإدارة العامة للتعليم بالمنطقة الشرقية، حيث قدّم نموذجًا يُحتذى في القيادة التربوية والعمل التطوعي، وتميّز برؤية واعية أسهمت في تطوير العمل الكشفي وتعزيز دوره التربوي. وقد حظي بثقة معالي وزير المعارف – رئيس جمعية الكشافة العربية السعودية سابقًا – الدكتور محمد بن أحمد الرشيد – رحمه الله – حين اختير عضوًا في أول تشكيل لمجلس رابطة رواد الحركة الكشفية بالمملكة عام 1419هـ، وهو اختيار يعكس مكانته وخبرته الواسعة في هذا المجال.
وخلال مسيرته، مثّل الهدباء وطنه في العديد من المحافل العربية والدولية، فشارك في المخيم العربي الحادي عشر في لبنان عام 1974م، والمخيم الكشفي الوطني السادس والثلاثين بالكويت عام 1402هـ، والنسخة الأربعين من المخيم ذاته عام 1406هـ، كما حضر ندوة تطوير برامج شارات الهوايات بالأردن عام 1404هـ، وشارك في رحلات كشفية إلى البحرين وإيران، إلى جانب حضوره العديد من المخيمات والمؤتمرات التي أكسبته خبرة واسعة ورؤية شاملة للعمل الكشفي.
وعُرف – رحمه الله – بسمات قيادية وتربوية رفيعة، حيث امتلك مهارات تعليمية متميزة، وقدرة عميقة على إيصال المعرفة للقادة والكشافين، كما كان حريصًا على القياس والتقييم المستمر للبرامج، وساعيًا دائمًا نحو التعلم والتطوير الذاتي رغم تحديات المرحلة التي عاشها. وقد انعكس ذلك في إسهاماته الواضحة في تأهيل القادة الكشفيين، وتحفيزهم على العمل التطوعي بروح من القناعة والانتماء.
وبعد تقاعده، لم ينقطع عطاؤه، بل واصل مسيرته ضمن مكتب رابطة رواد الحركة الكشفية بالمنطقة الشرقية، حيث أسهم بخبراته المتراكمة في دعم الأجيال الشابة، ونقل تجاربه لهم، ليظل حاضرًا ومؤثرًا في مسيرة العمل الكشفي، مؤمنًا برسالته، ومتمسكًا بقيمه التي عاش عليها.
لقد كان سهو الهدباء مثالًا للعطاء المستمر، فلم يعرف التوقف أو الانزواء، بل ظل شجرة مثمرة تمد المجتمع بخيرها، وتغرس في نفوس الشباب قيم البذل والانتماء، مستمدًا ذلك من نشأته الأولى ومن تجربته الكشفية المبكرة، التي بدأت منذ انضمامه للحركة الكشفية عام 1382هـ في مدرسة النعيرية الابتدائية، بتشجيع من قائده آنذاك حسن عبدالمحسن.
إن رحيل هذا الرائد الكشفي لا يُعد خسارة لأسرته ومحبيه فحسب، بل هو فقدٌ للحركة الكشفية في المملكة، التي كانت ولا تزال تزخر برجالات أوفياء مثله، أسهموا في بناء أجيال تحمل القيم النبيلة التي يدعو إليها ديننا الإسلامي الحنيف.
رحم الله سهو الهدباء رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.