قطع “المَعجَن” في شاذروان الكعبة.. شواهد تاريخية نادرة توثّق مراحل عمارة البيت العتيق

مكة المكرمة – واس :
تتجلّى في تفاصيل الكعبة المشرفة معالم تاريخية دقيقة تحمل بين ثناياها شواهد معمارية فريدة تعكس تعاقب العناية ببيت الله الحرام عبر العصور، ويبرز من بينها ما يُعرف بقطع المَعجَن المثبتة في محيط شاذروان الكعبة المشرفة، التي تُعد من القطع التاريخية النادرة المرتبطة بتاريخ عمارة المسجد الحرام وصحن المطاف.
وتتمثل هذه الشواهد في ثماني قطع حجرية قديمة كُشف عنها خلال أعمال ترميم صحن المطاف في المسجد الحرام في مراحل سابقة من أعمال التطوير، حيث عُثر عليها أسفل طبقات حجرية قديمة أثناء عمليات إعادة التأهيل والعناية بالمطاف الشريف، قبل أن تُثبّت لاحقًا في موضعها الحالي بوصفها شاهدًا معماريًا يوثّق جانبًا من تاريخ عمارة البيت العتيق.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه القطع تعود إلى ممر تاريخي عُرف باسم المَعجَن، وهو موضع ارتبط في الروايات التاريخية ببناء الكعبة المشرفة، إذ يُذكر أنه المكان الذي كان يُعجن فيه الطين الذي استُخدم في تشييد البيت الحرام، عندما رفع نبي الله إبراهيم عليه السلام القواعد من البيت بمعاونة ابنه نبي الله إسماعيل عليه السلام، في مشهد إيماني خالد ارتبط بأعظم بناء عرفته البشرية.
وترتبط هذه القطع بمرحلة من مراحل عمارة المسجد الحرام في العصور الإسلامية المتقدمة، حيث تشير بعض الروايات التاريخية إلى صلتها بأعمال ترميم شهدها المطاف في العصر العباسي، ومن بينها ما نُسب إلى عناية الخليفة أبي جعفر المنصور بالمسجد الحرام ضمن اهتمام الدولة الإسلامية آنذاك بعمارة الحرمين الشريفين وتطوير مرافقهما.
وتبرز هذه القطع اليوم بوصفها شاهدًا بصريًا على الطبقات التاريخية التي مر بها صحن المطاف عبر قرون طويلة، إذ جرى تثبيتها بالقرب من شاذروان الكعبة لتبقى علامة معمارية توثّق تعاقب أعمال الترميم والتطوير التي شهدها المسجد الحرام، وتعكس في الوقت ذاته عمق العناية التي أولتها الدول الإسلامية للحرمين الشريفين عبر مختلف العصور.
ويرى مختصون في تاريخ العمارة الإسلامية أن هذه القطع تمثل قيمة تاريخية ومعمارية كبيرة، إذ تكشف عن ملامح من البناء القديم للمطاف الشريف، وتوثّق جانبًا من المواد والعناصر المعمارية التي استخدمت في عمارة المسجد الحرام في مراحل تاريخية متعددة، لتظل شاهدًا حيًا على مسيرة عمارة البيت العتيق عبر القرون.
وفي العهد الزاهر تتواصل العناية الفائقة بالمسجد الحرام والكعبة المشرفة من خلال مشاريع تطويرية كبرى تُنفذ وفق أعلى المعايير الهندسية والتقنية، مع الحرص على توثيق المعالم التاريخية المرتبطة بعمارة البيت العتيق وصونها بوصفها جزءًا أصيلًا من الإرث الحضاري الإسلامي الممتد عبر الأزمنة.




