رمضان

الضوء الخافت نمط تقليدي اعتادت عليه ليالي مصر في رمضان

القاهرة – واس:
تتحول الشوارع والحارات والأزقة في شهر رمضان الكريم بمصر إلى لوحة فنية تتلألأ بآلاف الفوانيس بأنوارها الدافئة وسط الزينة الرمضانية الشعبية، وخلف هذا المشهد المبهج تنشط صناعة وتجارة الفوانيس التقليدية التي تعدّ رمزًا ثقافيًا واجتماعيًا عريقًا، وجزءًا لا يتجزأ من الذاكرة والهوية المصرية الرمضانية، فضلًا عن دورها الاقتصادي في توفير فرص عمل لمئات الحرفيين والتجار الذين يعتبرونها تحفًا فنية أكثر من كونها زينة موسمية.
وتظل منطقة “تحت الربع” بحيّ الدرب الأحمر بالقاهرة، قلعة صناعة وتجارة الفوانيس المصرية المصنوعة يدويًا من الصفائح المعدنية “الصاج” والزجاج الملون بأحجامها الضخمة وأشكالها المتنوعة، التي تؤكد أن هذه المنطقة تزخر بصُنّاع محترفين في صناعة الفانوس “الصاج” دون منافس.
وتضم هذه المنطقة مئات الورش والحرفيين المتوارثين للمهنة، ومتاجر بيع الفوانيس التي تشهد إقبالًا ملحوظًا وطلبًا متزايدًا هذا العام من مختلف طبقات المجتمع المصري، كما تُصَدِّر لعددٍ من الدول العربية؛ مما يعكس تطور هذه الصناعة دون أن تفقد بريقها وجذورها التاريخية.
وخلال جولة “واس” داخل منطقة “تحت الربع”، التقت رجلًا سبعينيًا يُدّعى مجدي فهمي أبو العزب، أحد كِبار صُنّاع الفوانيس المصرية التقليدية وصاحب ورشة لتصنيع الفوانيس “الصاج”، واللافت للنظر أن شعره الأبيض الذي يكسو رأسه، ويديه التي تبدو ممزوجة بتفاصيل الصفائح المعدنية، تكشفان أن حكايته مع الفوانيس “الصاج” قصة عشق منذ سنوات طويلة.
وفي البداية، قال أبو العزب: “توارثت مهنة صناعة الفوانيس “الصاج” من والدي الذي توارثها بطبيعة الحال من أجداده، وتعلمتها في سن مبكرة، ولازالت أعمل في ورشتي المخصصة لصنع تلك الفوانيس ولم أتركها حتى الآن، مشيرًا إلى أن مراحل تصنيع الفانوس تبدأ بتقطيع الصفائح المعدنية “الصاج” إلى شرائح حسب المقاس المطلوب ثم تقطيع شرائح أخرى من الزجاج الملون ثم تثبيتها على قِطع “الصاج” ثم تحضير قُبّة الفانوس، وأخيرًا تجميع كل هذه القِطع عن طريق اللحام بمادة القصدير والألفونيا، حتى يصل الفانوس إلى شكله النهائي”.
وأفاد أن خام “الصاج” لا يتغير، لكن أشكال الفوانيس تتغير وتتجدد كل عام، فأقدم فانوس هو “أبو شمعة” الذي كان يُضاء من خلال “الشمعة”، ثم ظهرت فوانيس “أبو عرق”، و”البرج”، و”تاج الملِك”، و”النجمة”، و”الشمامة”، و”بولات”، و”دُوُرة”، و”دَلّاية”، وفانوس “شقة البطيخة” الذي يتميز بجوانبه المليئة بقطع هلالية مثل شقق البطيخ الصغيرة.
ولفت الانتباه إلى أن فانوس “أبو الولاد” الذي يأخذ اللونين الذهبي والفضي، يضاف إلى جوانبه 6 فوانيس صغيرة من الصاج بشكل دائري، ويصل طوله إلى 5 أمتار، مبينًا أن هذا الفانوس يُعَدّ الأكثر إقبالًا لدى الوافدين العرب والأجانب المقيمين في مصر.
وعَدّ أبو العزب منطقة “تحت الربع” القلب النابض لصناعة الفوانيس “الصاج” حيث تضم العديد من الورش التي يعمل بها مئات الحرفيين، ومعظمهم ورث المهنة عن آبائهم وأجدادهم، مشيرًا إلى أن ورشته يعمل بها العديد من الحرفيين، وكل حرفي مسؤول عن تخصص معين، فمنهم مسؤول عن تقطيع الصاج، وآخر مسؤول عن تقطيع الزجاج الملون، وثالث مسؤول عن اللحام، ورابع مسؤول عن تقفيل الفانوس وإضافة اللمسات الأخيرة.
وأضاف أن هؤلاء الحرفيين يعملون بورشته طوال أيام العام وليس بشكل موسمي، لإنتاج مئات الفوانيس “الصاج” بأشكالها وأحجامها المختلفة، لتلبية متطلبات السوق داخل مصر وخارجها، مشددًا على أن كل فانوس يخرج من الورشة يحمل طابعًا فنيًا مختلفًا لأن التراث يستحق أن يظل حيًا في كل بيت مصري وخارجه.
من جانبه، قال أحد التُجار المتخصصين في بيع الفوانيس الرمضانية ويُدَعَى محمد رجب: “نعمل في مهنة بيع الفوانيس “الصاج” الرمضانية منذ 18 عامًا حتى الآن، ونوفر احتياجاتنا تلك الفوانيس قبل رمضان بستة أشهر من خلال ورش التصنيع المنتشرة في مناطق السيدة زينب والغورية والدرب الأحمر بالقاهرة”.
وأشار إلى أن الفانوس “الصاج” لا يزال يحافظ على مكانته في قلوب المصريين كأيقونة رمضانية، وأحد أهم رموز الاحتفال بالشهر الكريم في مصر منذ سنوات طويلة، لافتًا الانتباه إلى أن الفوانيس المستوردة أرخص لكنها أقل جودة وتفتقر للروح التراثية مقارنة بالفوانيس “الصاج” التي تلقى إقبالًا ملحوظًا هذا العام، خاصة مع ظهور تصميمات حديثة محفورة بالليزر وعبارات مثل “رمضان كريم” منقوشة على الزجاج الملون بالفانوس.
وأضاف: “رغم المنافسة من الفوانيس الكهربائية الحديثة، ورغم ارتفاع أسعار بعض الخامات المستخدمة في صناعة الفوانيس “الصاج”، لا يزال هناك طلب عليها في السوق المصري لأنها يعبر عن روح الشهر الكريم”، موضحًا أن أسعارها تختلف حسب الحجم والشكل والمواد المستخدمة في التصنيع والحرفية وجودة الصناعة اليدوية، فأسعار الفوانيس “الصاج” تبدأ من 250 جنيه للأحجام الصغيرة.
وتظل الفوانيس المصنوعة من “الصاج” أيقونة للاحتفال بالشهر الكريم، وتظل منطقة “تحت الربع” بحيّ الدرب الأحمر بالقاهرة القِبلة الأولى للباحثين على الجودة والأصالة والقيمة الفنية والذوق التراثي في الفانوس المصري الذي يبقى دائمًا سر سعادة المصريين في شهر رمضان الكريم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى