عقلية المشجع

بقلم – طارق العريدي :
في ملاعب كرة القدم، لم يعد الكلام عن النتائج أو النجوم أو الإدارات هو محور الجدل، بل أصبحت عقلية المشجع هي الفارق الحقيقي بين نادٍ ينهض وآخر يتعثر. فمن المدرج تُبنى الثقة، ومن المدرج تُهدم أيضًا. وما نشهده اليوم من تضخم أصوات وانفلات آراء يثبت أن المشكلة لم تعد فنية… بل فكرية.
هناك مشجع يملك من الوعي ما يكفي ليدرك أن النادي ليس ملكًا للحظة، ولا يُقاس بمباراة واحدة، ولا تنهار مشاريعه بسبب تعثر عابر. هذا المشجع يعرف قيمة الصبر، ويعي أن بناء فريقٍ قوي يحتاج وقتًا، وأن الوقوف مع الكيان لا يكون عند التتويج فقط، بل عندما تعصف به الظروف.
لكن على الجانب الآخر، هناك مشجع لا يرى إلا ما يحدث أمامه في لحظة غضب، مشجع يُسقط النادي في ساعة، ويُشكّك في كل شيء عند أول عثرة، وينقلب من داعم إلى مهاجم في لحظة. هذا النمط هو ما يصنع أزمات داخلية تفوق أزمات الملعب، ويحوّل الضغط الرياضي إلى فوضى تُعرقل النادي بدل أن تسانده.
الأشد خطورة أن هذا الخطاب الانفعالي يجد من يشعل فتيله عبر منصات التواصل، حيث تتحول تغريدة غاضبة إلى موجة ضغط، وتتحول معلومة غير دقيقة إلى حملة كاملة. وفي لحظة واحدة، يصبح النادي تحت رحمة ردود فعل لا تستند إلى واقع، بل إلى انفعال وتسرّع.
لا يمكن لأي نادٍ أن يستقر بوجود جماهير تُحاكم وتتهم وتضغط على كل تفصيل. ولا يمكن لأي مشروع أن يكتمل بوجود مدرجٍ يتقلب كل أسبوع، فالعاطفة ضرورة، لكن حين تتحول إلى حالة هياج جماعي فإن ضررها يكون أكبر من كل خسارة داخل الملعب.
إن عقلية المشجع هي الخط الأحمر الذي يجب أن يتغير قبل أن نطالب بتغيير الإدارات أو اللاعبين أو المدربين. فالمشهد الرياضي اليوم لا يحتاج مزيداً من الضجيج، بل يحتاج جمهورًا يعرف قيمة الكلمة، ويدرك وزن رأيه، ويؤمن أن دعم النادي ليس موسمياً ولا مشروطًا بنتيجة.
الرياضة تُبنى بالوعي قبل الهتاف، وبالثبات قبل الحماسة.
ومن أراد نادياً قوياً، فليبدأ من المدرج… وليُصلح عقليته أولًا.



