ثقافة

قراءة في كتاب “جماليات الرسوم الصخرية في المملكة”

الرياض – واس :


يُعد الفن بمجالاته المختلفة ناقلًا للحضارات، وشاهدًا أساسيًّا على التطور الثقافي في الحضارات والمعتقدات السائدة، وفلسفة وثقافة العصر وأنماط الحياة فيه، كما أن تاريخ الحضارة وموروثها المتنوع يُعد أساسًا للذاتية الثقافية لكل شعب، فيما يتضمن الفن بصفته عملًا إنسانيًا القيم الثقافية والإبداعية الخاصة تتضح من خلاله الرموز الثقافية.
ومن هذا المنطلق جاء كتاب جماليات الرسوم الصخرية في المملكة العربية السعودية للباحثة السعودية الدكتورة نداء بنت عبدالرحمن الجلال؛ ليؤكد هذا المفهوم، ويبين أن الرسوم الصخرية هي أحد مجالات الفن التي لها أهميتها في توضيح الأثر الثقافي للفترات الحضارية الممتدة عبر التاريخ، حيث ناقش الكتاب ما تمتاز به المملكة من ثراء حضاري يرجع إلى ما قبل التاريخ، فقد وجدت فيها شواهد الحضارة الأولدوانية، ثم حضارة العصر الآشوري، والموستيري والعصر الحجري القديم المتأخر، وما بعد العصر الحجري (البرونزي، الحديدي، النحاسي)، ثم آثار القبائل التي بدأت تظهر في الجزيرة العربية منذ أكثر من أربعين قرنًا قبل الميلاد، وفي كلٍ من هذه الحضارات كان هناك تميز في الفنون المختلفة مثل: العمارة، والنحت، إلى جانب الرسوم الصخرية التي كان لها دورها في تأكيد جوانب هذه الحضارة.
وأكدت الباحثة أن الرسوم الصخرية ظهرت في العديد من المواقع الأثرية في المملكة، منها ما تركز في الشمال، ومنها ما ظهر في الجنوب، وتباينت في أساليبها التقنية وموضوعاتها فجاءت بين الحفر، والخز، والنحت الخفيف لسطح الصخر لأشكال واقعية، أو مجردة لحيوانات برية أو مستأنسة، أو لرسوم آدمية، إضافة إلى رسوم لصور الحياة اليومية أو الكتابات وفقًا للمتغيرات البيئية في المجتمع.
وأشارت “الجلال” إلى أن الرسوم الصخرية في المملكة تميزت بقوة التعبير التشكيلي وأساليبه الأدائية المختلفة؛ لكونها شديدة الارتباط بالواقع الاجتماعي وناقلة لأفكار ضمنية تقتضيها البنية الاجتماعية، فهي تعكس بموضوعاتها التقاليد السائدة، وتحمل من الأبعاد الجمالية والمعاني ما يمكن أن يكون انعكاسًا لها وللأفكار السائدة فيها، وتشكل أساس البعد الاجتماعي من خلال علاقة الفنان بالبيئة الطبيعية أو البيئة المحيطة في نسق كلي تتحدد فيه المشكلات الفنية والأبعاد الجمالية.
ويضم الكتاب نماذج للوحات من المواقع الأثرية في المملكة، والأبعاد الجمالية لها التي استخلصتها الباحثة واستفادت منها في إنتاج لوحات تصويرية تجمع الهوية القومية المتمثلة في الرسوم الصخرية للمملكة والمعاصرة المتمثلة في استخدام تقنيات التصوير المعاصر القائمة على المزاوجة بين التطورات الفنية ومردودها على أدوات الفنان التشكيلية، لتؤكد أن التقنيات التصويرية أصبحت ذات نطاق واسع للابتكار والتجديد في ضوء التقدم المعرفي من حيث استحداث مواد وأدوات تزيد ثراء رؤية دارس الفن وخبراته المعرفية، مثل: تقنيات التصوير الزيتي المختلفة، والتصوير بالأكريلك، والتمبرا، إلى جانب استخدام منتجات صناعية مثل مادة راتنجات الأيبوكسي كتقنيات مستحدثة ومعالجتها بتقنيات أدائية مع مواد مختلفة، حيث استفاد الفنان التشكيلي من استحداث أساليب مختلفة في العمل التصويري بحيث لا يستهلك المفردات التشكيلية بتقنية واحدة، بل يصيغها داخل مسار تجريبي حتى يُستثمر بشكل متجدد في محاولة لاكتشاف طرق أدائية مستحدثة لها منطلقات فكرية وفنية تجمع الأصالة والمعاصرة، من خلال البحث والتجريب، لاكتشاف حلول تشكيلية وجمالية جديدة في الشكل والأساليب الأدائية في سبيل إثراء التعبير في التصوير.
وتكمن أهمية الكتاب في الوصول إلى وضع قواعد لخصائص هذه الرسوم الصخرية، والاستنارة بدلالات المصطلحات العلمية الخاصة كالجمالية، والفن البدائي، والانتماء، وعلم الرموز.
وحددت الباحثة دراستها في مختارات من فنون الرسوم الصخرية في عصور التاريخ وما قبله مع استخدام طريقة الاستقراء والتحليل الفني ضمن إطارها التاريخي.
يذكر أن هذا الكتاب يأتي ضمن سلسلة دراسات أثرية محكمة كانت تصدرها الهيئة العامة للسياحة والآثار سابقًا، (هيئة التراث حاليًا)، ويقع في 283 صفحة، تتوزع على خمسة فصول عن الأبعاد التاريخية للرسوم الصخرية، وتحليل النتائج، ومراحل تلك الرسوم، واستلهام الفنون البدائية، والتجربة التطبيقية الذاتية إضافة إلى لوحات حية للرسوم المستهدفة بالدراسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى