ثقافة

هاتها ياساقي” .. تبرئة للساحة الشوقية من الزوبعة النقدية ! فصل من كتابي/”قالت الشعراء وقلت” د.محمد خضر الشريف


============
د.محمد خضر الشريف
=============
**توطئة/
قبل عرضي قصيدتي “رمضان ولى جل وجه الباقي” التي أتت معارضة لقصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي حواها هذا الفصل من الكتاب، دعوني أستعرض معكم مباحث هذا الفصل التي تستعرض القضية بشكل مفصل وواضح،على النحو التالي:
**مقدمة/
تعرض أمير الشعراء أحمد شوقي لهجوم شرس إثر قصيدته التي كان مطلعها
(رمضان ولى هاتها ياساقي/ مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ)
وظنه البعض -ظنا قد يصل إلى اليقين -بأنه شارب خمر وصاحب كأس ونديم سكارى!
واتهمه البعض بأن لديه “انفصام في الشخصية”؛ لأنه أظهر شخصية أخرى غير شخصيته المعروفة في شعره الذي يميل إلى التدين والحث على مكارم الأخلاق ومدائح سيد الرسل الكرام صلى الله عليه وسلم.
وزاد البعض في تهجمهم على شوقي متهمينه بأنه يضع “السم في الدسم” إذا جعل من قصيدته هذه والتي وصف فيها الخمر ومدحها كثيرا وأبان أنه وهي مشتاقين لبعضهما، ثم ألبس القصيدة بعض ألفاظ التدين. مما حدا ببعضهم أن يصل إلى نتيجة مفادها أن شوقي كلن أشد خطرا من أبي نواس؛بحجة أن الأخير كان ماجنا واضح المجون صريحا في حب الخمر وذكرها
مستدلين بقول شوقي :
ما كان أكثرهُ على أُلافِها/
وأقلُهُ في طاعة الخلاقِ
الله غفار الذنوبِ جميعها/
إن كان ثمَّ من الذنوب بواقي
بالأمس قد كنا سجيني طاعةٍ/
واليوم منّ العيد بالإطلاقِ

شوقي

مبحث/
(هل كان شوقي سكيرا؟!)

من خلال “الشوقيات” وحديث من صاحب شوقي وعاشره والتقى به في مناسبات عدة لم يثبت لنا أن شوقي كان رجل سكر أو صاحب كأس في مجالسه أو مناسباته الكثيرة،
على عكس الشعراء أصحاب الكؤوس فهم لايتورعون عن ذكرها وشربها والتفاخر بها، يثبت ذلك أشعارهم الكثيرة ومواقفهم
العديدة..
وقد ثبت أن أبا نواس من حبه للخمر يذكرها كثيرا في شعره ويحملها أينما حل ورحل وقد رآه الخليفة هارون الرشيد ومعه قينية خمر فقال: ماهذا يا أبا نواس؟ فقال: لبن ياأمير المؤمنين، فقال وهل اللبن لونه أحمر؟ فقال: احمر لونه خجلا لما رآك !
وقد فضحت أشعار أبي نواس وأيضا ابن الرومي الشاعرين وهما يتضجران من رمضان الاول لانه يمنعه الكاس والثاني لأنه يرى نهاره عذابا وبيلا..

البيت لأبي نواس؟!

وقد وقعت عيناي على مقال مختصر في موقع “المسلم” بنسب صاحبه البيت الشهير لشرقي ينسبه لأبي نواس فقال ما هذا نصه:”إذ ذاك كان يمثل رمضان لأبي نواس حالة من “الاختناق الاجتماعي” تحول بينه وبين الاستماع بملذات الحياة المحرمة، لذا فقد كانت رؤية هلال العيد لديه تعنى الشيء الكثير حين يعود إلى معشوقته/الخمر، فيأخذ ينشد:
رمضان ولى هاتها يا ساقي XXXX مشتاقة زفت إلى مشتاق”!
انتهي كلامه
والحقيقة لقد استوقفني كلامه هذا ولم أعثر على من نسب البيت الشهير لأبي نواس سوى هذا فقط،ولا أخال أن شوقي بجلالة قدره سطا على البيت نصا وإلا لتعرض للنقد الشديد من أدباء ونقاد عصره؟!
ولا يمكن أن نقول إن شوقي ينكر بيته هذا ولا قصيدته والدليل وجودها في ديوانه وكذلك دفاعه عن نفسه في نظمه هذه القصيدة أمام وفد من شعراء ودعاة من طلاب الأزهر وعلى رأسهم الشبخ الشعرواي أبام شبابه وسأوضح ذلك في مبحث لاحق .
وإن كنت أرى أن البيت الأخير في قصيدة شوقي قد يحل اللغز حيث يقول:
فلعلّ سلطان المدامة مخرجي .. من عالمٍ لم يحوِ غيرَ نفاقِ
اي انه يريد الا يرى وجوه النفاق ولوكان النفاق طبعه لما طلب الهروب ممن هو على شاكلته..
ولعله أرادالمزح كما تقول العامة حين يقدم لاحدهم كوب ماء مثلا:
” هات اسقنا عشان ننسىي”!

ويبقى أن لشعر شوقي كله ليس فيه ذكر للخمر ولا سيرته تدل على هذا اللهم هذه القصيدة وهذه لها قصتها، ولمطلعها حكاية وتبرئة.

 

قميحة

مبحث/
(لا يا أمير الشعر)

من عارض شوقي نقدا اعتقد أنه عاشق
خمر فعلا لا قولا
ولعل الشاعر جابر قميحة رأى أن شوقي كان كذلك ويتضح ذلك جليا في قصيدته التي عارض فيها شوقي وأكثر من قوله “لا يا أمير الشعر”في مطلع أبيات عدة حوته قصيدته،
ثم تعريضه له بأمارة الشعر حين خاطبه بقوله:
إن الإمارةَ قدوةٌ وفضيلةٌ/ ونسيجُها من أكرمِ الأخلاق
والشعرُ نبضُ القلبِ فى إشراقِهِ / لا دعوةٌ للفسقِ .. والفسَّاق

الشعراوي

مبحث/
(تبرئة ساحة شوقي)

قلت في كتابي” القصة الشعرية في تراث العربية” في فصل “خدعوها لأحمد شوقي” ما نصه:(قد يلوم البعض على شوقي مطلع قصيدته “رمضان ولي هاتها يا ساقي”، وقد سمعت وقرأت للبعض يلوم الرجل ويقدح فيه ويتهمه بشرب الخمر وأنه وأنه… لكن لدراستنا لشوقي وأدبه الراقي وتدينه الجميل تجعلنا تستبعد هذا كله عنه، ظنا ويقينا، أما الظن فكما ألمحت إلى أن شعره لم يكن فيه عربيدا ولا سكيرا ولم يبح فيه باسم الخمر، صراحة أو كناية..

وهذه التي قالها”هلتها ياساقي” فسرها هو ولندع رجلا ثقة لدى الأمة الإسلامية كلها وهو فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي –رحمه الله- وهو شاعر فحل أيضا سمعت منه قصائد وطنيه في بيته قبل موته في التسعينات قالها في الأربعينات والخمسينات الميلادية فاستحضرهامن ذاكرته كأنه يقرأها من كتاب.
يحكي الشيخ الشعراوي قائلا :إنه في صدر شبابه كان يحفظ شعر شوقي كله وكان شغوفا به وكانت هذه القصيدة تستوقفه كثيرا وتجعله يعيب على شوقي هذا حتى ذهب إليه مسلما مع مجموعة من الشباب فاستقبلهم وقال فيه الشعراوي كلاما مادحا إلا أنه قال نعيب عليك هذه القصيدة. فكان رد أمير الشعراء:أتحفظ القرآن؟ قال الشيخ :نعم أحفظه. فقال له ماذا تقول أخر سورة الشعراء؟ فتلا الشيخ عليه :{والشعراء يتبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون*وأنهم يقولون ما لا يفعلون}. فقالها شوقي: صدق الله العظيم “يقولون مالا يفعلون”، هذا ردي عليك.
وانشرح بال الشيخ الشعراوي ومن معه من طلبة الأزهر وشباب الشعراء والحضور أن كشف الله الغمة؛ بتفسير وتأويل شوقي لما حاك في صدور الناس من محبيه ومتابعيه أمام تلك القصيدة.

 

مبحث/
(الرسول يبشر أحمد شوقي على لسان شيخ الأزهر الظواهري)

ولعل رؤيا الشيخ محمد الظواهري شيخ الأزهر1902م للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتبليغه لأحمد شوقي انك ستقدم علينا بعد أيام.. وقد كان، تؤكد مكانة شوقي لدى القيادة الدينية ممثلة في شيخ الازهر نفسه

والقصة تحكي أن أمير الشعراء احمد شوقي قد مرض مرضا شديدا فى أيامه اﻷخيرة، وحين علم بأن فضيلة الشيخ “محمد اﻷحمدى الظواهرى” شيخ الجامع اﻷزهر في منزله، يريد لقاءه، هب شوقى واقفا وهرول للقاء اﻹمام اﻷكبر ! فلما قابله ورحب به شوقي سأله عن سبب تشريفه بالزيارة !�فكان جواب شيخ اﻷزهر: جئتك مأمورا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد زارنى النبى الليلة الماضية وأمرنى أن أتى إليك وأخبرك أنه صلى الله عليه وسلم فى انتظارك”!
،وبعدها بأيام قليلة توفى شوقى فعلا .
مبحث/
(الشعراوي يترضى على شوقي)

‎ وعودللشيخ محمد متولي الشعراوي ثانية وترضيه على شوقي بعد وفاته فلم يكن فضيلة الشيخ الشعراوى يذكر شوقي إلا ويقول “لا تقولوا شوقى رحمه الله ولكن قولوا شوقى رضى الله عنه” فوالله لم يمدح النبى شاعر مثل ما مدحه شوقى بداية من حسان بن ثابت وكعب بن زهير إلى يومنا هذا … و أورد الشعراوي مقتطفات من شعر شوقي وهو يقول؛�أبا الزهراء قد جاوزت قدرى … بمدحك بيد أن ليا انتسابا�فما عرف البلاغة ذو بيان … إذا لم يتخذك له كتابا�مدحت المالكين فزدت قدرا … وحين مدحتك اقتدت السحابا�ويضيف الشيخ الشعراوى رحمه الله: ولم أسمع من دافع او يدافع ويشرح ويوضح حقائق اﻹسلام مثل شوقى وهو الذى جمع مبادئ اﻹسلام فى بيت واحد فقال؛
‎“الدين يسر والخلافة بيعة …
والأمر شورى والحقوق قضاء”
‎رحم الله أمير الشعراء شوقى
رضى الله عنه، كما كان يقول اﻹمام العلامة الشعراوي،
‎اذا سمعتم ولد الهدى، ونهج البردة، وسلوا قلبى، والى عرفات الله “باداء ام كلثوم رحمها الله تعالى” لادركتم منزلة امير الشعراء، بما وهبه الله من بلاغة وفصاحة وبيان

خضو

مبحث/
(قصيدتي المعارضة لشوقي)

مدخل سريع
هذه القصيدة، التي بين أيديكم، بدأت ” ثنائية ” أي بيتين، مثل أخواتها من ” الثنائيات الخضرية” الكثيرة- والتي ضمها ديوان خاص لي بحمل العنوان نفسه- ثم تولّدَ منهما تسعة عشر بيتا،على النحو التالي
:
**القصيدة:
لاتصدَحَنَّ بقوله متغنيًا:/
“رمضان ولّى هاتها ياساقِي”

أو تُغوينكَ غنوةٌ شوقيةٌ /
“مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ”

فالشعرُ أعذبُه كلامٌ كاذبٌ/
والحقُ منهجُ معشرِ الصُّدَّاقِ

“شوقي” أراد الشعرَ قولًا مازحًا/
في نظمِ بيتٍ شاعرٍ أرَّاقِ

بالشعر هام واديا متسربلا/
ثوبَ الهيامِ كأنه مُتَسَاقِي

حاشاه وهْو مع المداائحِ مولعٌ /
يشدو حبيبًا سيّدَ الأخلاقِ

ماكان شوقي للسكارى صاحبا/
أو كان يشرب خمرةَ النزّاقِ

بل كان يترع من كؤوس محبة/
لرسولِ خيرٍ مدنفِ الأشواقِ

“بنت البوصيري” قد أجاد بنهجها/
“ولد الهدى” تنبيك حسن خلاقِ

واسأل “سلوا قلبي” وهذا شعره/
“عرفات ربك” حادي المشتاقِ

************
اسمعْ كلامي واستمعْ لنصيحتي/
أشدوك شعري راقي الرقْراقِ

ينساح من فيضِ المشاعر هادرا/
غيثَ السماءِ عالي الآفاقِ

فاصدحْ بشعريَ شاديًا مترنمًا/
فالنصحَ أُهديه لخيرِ رفاقِ

*************
إن الذي شرعَ الصيامَ تَديُّنًا/
ربُّ البرايا واهبُ الأرزاقِ

اعبْده في كلّ الشهورِ تحنثًا/
واطلب رضاءَ الواحدِ الخلَّاقِ

لاتزهدنَّ طوالَ شهركَ عابدا/
فإذا انقضي أظهرتْ وجهَ نفاقِ
****************
رمضانُ إن ولَّى ودهرٌ بعده/
إني وأنتَ وكلنا سنُلاقِي

يومَ الحساب جزاءنا من ربنا/
ربِّ البرايا فالقِ الإشراقِ

سبحانه سجدَ الوجودُ لقدسه/
الله ربي جلَّ وجهُ الباقي
[انتهت]

 

شروحات صور/
-غلاف الكتاب
-أحمد شوقي
-شيخ الأزهر الظواهري
-الشيخ الشعراوي في شبابه
-د.جابر قميحة
-صورة من ثنائيتي المهداة لشوقي، والتي تولدت منها القصيدة

**ملاحق الفصل في الكتاب الأصلي:
-قصيدة أحمد شوقي/
-قصيدة جابر قميحة
-صورللشخصيات الوارد ذكرها في المباحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى