الرئيسية / مقالات / أنا أُنَبئكُم بتأويله! ( رؤية الرؤيا اليوسفية لحل الأزمة الاقتصادية)

أنا أُنَبئكُم بتأويله! ( رؤية الرؤيا اليوسفية لحل الأزمة الاقتصادية)

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%81

خالد السيف *

رؤيا «ملك مصر» كانت مناماً، بل كانت محض (أضغاثٍ) بحسبِ ما انتهى إليه مُعبّرو القصر؛ غير أنّ الله تعالى قيّض لها «يوسف» عليه السلام، في سياق من نبوّته؛ فآلت تلك «المنامات» جراء تعبيره واقعاً، برؤية اقتصادية – ذات بعدٍ استراتيجي – حفِظَ الله تعالى بها «مصر» وما حولها من سنيّ قحطٍ ستكون عليهم دأباً لو أنّ «رؤيا الملك» ظلّت حبيسة أدراج «معبّري القصر» الذين يعدون كلّ «رؤيا» أضغاثاً ما لم تنتهِ إلى جيوبهم!!
ما مضى كان في أمّةٍ قد خلت – لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت – وما من أحدٍ إلا وهو على علمٍ بأحداث قصة يوسف كلها التي شكّلت «الرؤيا» عمودها الفقري في البدء والانتهاء إذ استؤنفت «النبوة» بادي الأمر بـ«رؤيا» إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (..) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (وكذا الشأن في أثنائها تمكينا لـ «يوسف» حيث كانت «الرؤيا» حاضرةً وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (..) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (..) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (..) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فيما كان ختم «السورة/ والقصة» التوكيد على صدقيّة خبر «التأويل» وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100).
على أيّ حالٍ فإنّ سورة يوسف مملوءة بكلّ ما يُمكن أن تّعدّ معه كلّ آيةٍ فيها مدرسةُ وليس درساً، إن في الشأن العقدي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو المعرفي غير أنّي سأكتفي – هاهنا – بشيءٍ من الاعتبار في الشأن الاقتصادي أوجزهُ على هذا النحو الإشاري:
* لم تُعنَ سُلطة – مصر – القائمة حينذاك ممثلةً في العزيز بما هو عليه يوسف من عقيدة اكتفاء بكفاءته «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» الأمر الذي تنشط فيه الحكومات التكنوقراطية اليوم إذ تنصرف بكلّها إلى قدرات – وزرائها – وأمانتهم دون أن تهتم بشأن انتمائهم!!
(بيد أنّ ثمّةَ نُكتةً لا يسعنا تفويتَها وهي: أنّ يوسف وقد أُوتي شطر الجمال إلا أنّه لم يقدم نفسَه لتبوُّء المنصب بوصفه ذلك الوسيم «الملاك» الذي فتنَ نساء المدينة فأكبرنه).
* نأى – يوسف عليه السلام – بنفسِه عن الرؤيا وقيدِ تأويلها ومضى بدالها إلى ما هو أبعد من ذلك إذ لم يلبث أن وضعَ القواعد – الأساسيّة – في شأن الإدارة والاقتصاد وقطاع الزراعة ما أمكنَ – مصر – فيما بعْدُ من تجاوز أزمتِها الغذائية المرتقبة فأنقذها من جوعٍ كان مُرشحاً لإفنائِها. والعبقريةّ الاقتصاديّة ظاهرةٌ في ثنايا رؤيته إذ وكّد عليهم بالاقتصاد وعدم الإسراف في الصرف والاستهلاك مع كثافة المحصول.!
* لا جرم أنّ يوسف – عليه السلام – هو أوّل مَن تفطّن إلى الدورات الاقتصادية من حيث الرواج/ والكساد وتقنين كلّ دورةٍ بسبع سنوات – وهو الأمر الذي انتهى إليه كبار منظري الاقتصاد العالمي – على نحو ما بسطه – نبي الله يوسف – إضافةً إلى أنّه يُعدُّ أول من وَضعَ قواعد الادخار الحكومي الموثق.. كما أنّه قد أبان عن الكيفيّة التي من شأنها أن تدفع بالمجتمعات – المهددة بالفقر/ والعوز – إلى أن تستخدمَ مواردها لإنتاج سلعٍ قيّمةٍ وتوزيعها تالياً بين الناس.
* الأمن الغذائي – في السنوات العجاف – لن يتحقّق إلا وفق رؤية «تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا..»متتاليةً لا تواني فيما بينها الأمر الذي ينتهي بالعمل الزراعي الدائب نحو تحقيق التوازن فيما بين الإنتاج والاستهلاك للظفر تالياً بمزيدٍ من الفائض الذي من شأنه أن يسمح بإعادة الإنتاج رغبةً في تحقيق الرخاء (وهو ما كان إذ ذاك في مصر يوم أن تجاوز بهم يوسف الأزمةَ ونأى بهم – وبمن حولهم – عن الهلكة).
* ولقد أثمرت رؤيته الاقتصادية فائضاً تجاوز به الحدود المصرية حينها وبما أنّه – صاحب رسالةٍ – فقد جعل من هذا الفائض ملكا لكلّ الناس سواسيةً إذ يحقُّ لكل فردٍ أن يأتي ليأخذ نصيبه – من القمح – بقدرِ حمل بعيرٍ واحدٍ ابتغاء أن يتمكن «الجميعُ» من الحصول على بغيتهم من الطعام على نحوٍ من عدلٍ توزيعي لم تكن المنطقة تعرفه من ذي قبل.. وتجاوزاً للفوضى ضبط نبي الله يوسف مسألة «التوزيع» برقاعٍ خاصةٍ بكل واحد تكون ممهورةً – موقعة – من بعد الاستلام بطريقةٍ محكمةٍ لم تؤلف قبلاً.
* إلى ذلك أستطيع القول: إنّ يوسف – عليه السلام – قد تحقّق له ما أراد من القضاء على «الاحتكار» وعلى «البطالة» وَفقَ خطّةٍ فذّةٍ ألزمت – يوسفَ – على أن يتولّى بنفسه (من خلال متابعته عن كثب/ وإشرافاً) استقبال الوفود ممن جاءوا لنيل نصيبهم من بعد ما يتم ختم رقاعهم (بطاقاتهم) ما يُفيد الاستلام شريطة أن يُحضر من أراد الظفر بـ «القمح» بضاعةً من صنع بلده لتتمّ المقايضة (الميسّرة) الطعام في/ مقابل البضاعة.
* ما كان لنبيّ الله تعالى يوسف – عليه السلام – أن ينهض بتلك المهمة – الاقتصادية الضخمة – لولا هداية الله له/ وعنايته به أولاً ثم ثانياً: ما كان قد توافر لـ «يوسف عليه السلام» من (معاونين) أكفاء عملاً/ وإخلاصاً كانوا نعم العون سنداً له في تنفيذ خططه إجرائياً.
* يسعني في الأخير التأكيد على:
أنّ – يوسف عليه السلام – أبان عن رؤيةٍ لاستشراف مستقبلٍ يمتد لخمسة عشر عاما على الأقل كان بها إنقاذ أهل مصر – ومن حولها – من القحط الذي ينتهي بهم إلى الهلاك فناءً ومن جانبٍ آخر كان تأويله الرؤيا سبباً في خروجه من السجن/ وظلمه فضلاً عن تخلّص الملك من البطانة الفاسدة التي كانت تحيط به.

  • نقلا عن صحيفة “الشرق” السعودية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*